بعد تونس التي كشفت لنا عن شفرة الثورة، وأيقظت إرادة الأمة التي داهمها السبات العميق منذ وقت سحيق، جاءت مصر لتزيد عيوننا انفتاحا، وبصائرنا فراسة، وإرادتنا قوة، وتدفعنا – بكل اقتناع وإيمان – إلى التمسك بخيار الثورة.. ثارت مصر بعد أن ثارت تونس ، والبقية آتية لا ريب في هذا اليقين.. كلنا في الهم شرق.. وكلنا في الاستبداد شرق.. وكلنا في ونحوالثورة شرق.. وكاذب من استثنى قطرا عربيا من موجة التغيير، ومن التوق إلى الحرية والكرامة والعدالة.
لقد شاءت حكمة الله أن يبدأ تاريخ العرب في بداية القرن الواحد والعشرين.. تاريخ يقطع مع الماضي البئيس الذي بناه حكامنا بجماجم المواطنين وأشلاء أجسادهم.. والذي بناه المواطنون – أيضا – بخنوعهم وقابليتهم لتلقي الإهانة والاحتقار والظلم والضيم.. تاريخ سيء بنيناه سويا، كان فيه الحكام أصحاب السطوة والغلبة والقهر، وكنا فيه شعوبا لا تختلف عن البهائم والدواب، لا تبحث إلا عن ملء بطونها بأسوإ الأطعمة والأشربة، وعن بيوت كريهة ضيقة متسخة لترقد فيها أجسامنا المنهكة والمتعبة في البحث عن الرغيف لا عن سواه. تاريخ لن يتكرر اليوم، بعد أن امتدت إليه اليد التونسية فبترت منه أوراقا سيئة، وأدركته اليد المصرية فأزاحت عنه كثيرا من الصفحات المظلمة.. لكن ماتزال به صفحات كثر، يملؤها الدم والعظام النخرة، وجب مصادرتها بنفس الفعل الذي قام به التونسيون والمصريون، مادام حكام العرب مصرون على نهج سياسة الغي، وعازمون على وضع أصابعهم في آذانهم للإستمرار في منهج البغي. إن التغيير حتمية عربية في هذا القرن، ولن تسلم أية دولة عربية من شرف التغيير وقدسيته، لأننا – كلنا – متشابهون في الاستبداد، وفي تجويع الشعوب، وفي تزييف الواقع والحقائق والمعطيات.. والمغرب لن يكون بمعزل عن سنن الحياة، ولن يكون معزولا عن محيطه العربي والدولي، خصوصا وأن واقعه لا يحمل لنا مقومات التطور، ولا يمنحنا مؤشرات التغيير والتبدل: ملكية متنفذة تنفرد بكل شيء، وحكومة صورية يخيل لها – وهي تدرك ذلك بوعيها الشقي – أنها تعمل وتجتهد وتقرر، وبرلمان لا دور له سوى استنزاف أموال الشعب، وإتقان دوره المسرحي، وأحزاب فاقدة للشرعية، تمنح للمشهد السياسي مزيدا من الصورية والانكماش، وتساهم بالتالي في تأخير فرص التغيير والتقدم.. وبين هذه الأحزاب كلها، يتربع حزب – تم تأسيسه بالأمس فقط، أولنقل منذ دقائق فقط من زمن السياسة – على هرم السلطة، ويجثم على أنفاس المواطنين، ويتحكم في صناعة الخريطة السياسية وفق مقاسه وهواه ومزاجه في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب.. ويحارب من يشاء، ويرفع البطاقات الصفراء والحمراء لمن يشاء وأنى يشاء في الملعب وخارجه، دون أن ترفع الأصوات لإدانته، أوتتجه إليه إرادة الدولة لرده عن غيه.. لماذا ؟ لأنه الدولة نفسها.. أليس هذا الواقع المر يحتاج إلى التغيير ؟ ألسنا بلدا تنخره الرشوة والفساد والمحاكمات الصورية والأحكام الجائرة ؟ أليس هذا الشعب تأكله البطالة والحرمان من ثروته الوطنية… ؟ أليس إعلامنا الذي نغذيه بأموالنا العامة سيء فوق أي تصور ؟ لا يحسن سوى التطبيل والتزمير والرقص على جراحنا بقدر إحسانه لتجاهل مطالبنا ومآسينا وفقرنا ومرضنا وجوعنا وشكاوانا؟. إن الفرصة – للمغرب ولكل دول العرب – مواتية لإحداث تغيير جذري، نعيش في ظله حرية وكرامة وعدالة. بدستور ينتمي لعصره. بأحزاب حقيقية يقودها الشباب وليس العجائز والشيوخ ممن كانوا يتفرجون من فرنسا ومن داخل بيوتهم الفخمة على مشاهد البطولة التي صنعها الثوار الحقيقيون أيام الاستعمار الإسباني والفرنسي الغاشم. بحكومة ذات سلطات وصلاحيات حقيقية.. ورئيس لها فاعل وشرعي انتخبه الشعب وارتضاه لإدارة شؤون البلاد والعباد. وبرلمان مسؤول تحميه الإرادة الشعبية باختيارها له.. يملك آليات المراقبة والتحقيق والمساءلة. وقضاء مستقل نزيه حر أبي متعال عن التعليمات والأوامر. وبتوزيع عادل للثروة وخيرات البلاد. فمن يصنع التغيير بهذا البلد الأمين ؟ ومتى نعلن وفاة البلادة ببلادنا.
المصدر: يونس إمغران نشر في لكم

