كل الشرفاء و الأحرار في العالمين العربي و الإسلامي تابعوا بشغف كبير مجريات الحدث التاريخي الذي عرفته قرطاج بلاد الزيتون.لقد اختار القدر أن تكون المرحلة الجيوتاريخية ضد الطغاة العرب من قرطاج باعتبارها من أكبر المناطق قساوة وفتكا بالمسلمين في بلاد المسلمين. وشاء القدر أيضا أن تتحول تونس إلى محكمة يحاكِم فيها الشعب طاغوتا متجبرا ليجبره على الرحيل.فلا احد كان يصدق أن الشعب الأعزل يستطيع يوما أن يفتح فمه في وجه الجبابرة. فلو تقدم “الحاكم الهارب” للمحاكمة لنطق القضاة ببراءته ،لسبب بسيط هو أن المال و الجاه و اللوبيات تغير مجريات الأحكام في البلدان العربية.لهذا السبب كان لزاما أن تعرض قضيته على محكمة الشعب لأنها الأكثر نزاهة و الأقوى. محاكمة أبرز جبابرة العالم العربي تأتي بعد أن طال صبر الشباب الطموح ليس في تونس فقط بل في بلاد الفراعنة أيضا ، لقد نهضوا من سباتهم و استرقوا يقضة “نادرة” و ثاروا في ثورتي الفل و الياسمين ،لأنهم سئموا التفرج على أسماك القرش الآدمية من أبناء جلدتهم في مراكز القرار و هي تصادر الحريات وتحكم حسب أهوائها و بما يمليه أعداء الإسلام عليها..حكام و ادنابهم يعيشون في بذخ..سيارات فارهة،أرصدة بنكية هنا وهناك،سهرات ماجنة،ليالي حمراء،خمر و ميسر.. و جثث تتمطى تحت شموس شرم الشيخ..و زجاج في فم هذا و ذاك الشعب البسيط..الذي يحتج و يعتصم لانتزاع لقمة عيش عصية.
لقد نطق الشعب أخيرا و قال: بصوت عال “كفاك يا اسماك القرش من النهب، لقد تسوست أضراسك من كثرة الحلاوة ،و اليوم يقلع الشعب الطبيب داءك،فافتحي فمك العريض وودعي اللحم و سيكون طعامك منذ اليوم الحساء “. فالطغاة من الحكام لم يطلعوا جيدا على دروس التاريخ التي تحتفظ بسجل حافل لطواغيت العالم سقطت منذ قرون على أيدي شعوب مقهورة. الحنان يسقط في قلب طاغوت سقط الحنان يوما في قلب حاكم جائر فنطق” الآن فهمتك..فهمتك..لقد غلطوني”و هو لم يفهم و لم يُلغطه أحد. ووعد و هو في غيبوبة بأنه سوف يحرر قيد شعبه ويمتعه بكامل الحرية .و انه سوف يضمن تطبيق بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.أما سجون التعذيب فلن تقف جدرانها بعد اليوم.فلا تعذيب و لاركل و لارفس و لاعطالة،وسوف يُسمع الأذان كل يوم في المساجد و القنوات التلفزية .. الحاكم أصبح مؤمنا بحق هذا الشعب في الوجود لا لشئ إلا حبا وطمعا في كرسي الحكم الذي بدأ يسقط و يكاد يصل يد الشعب. إذا الشعب يوما أراد الحياة لكن هيهات فرغم كل الوعود التي أتت في جو صدمة الحاكم الجبار في تونس ، فالشعب لم يعد يصدق وعودا و لا يريد شيئا آخر غير التغيير. لقد أبى إلا أن يقلع أضراس الطاغية التي التهمت بها حقوق المستضعفين .و سوف يصنع منها اغمدة للنظارات ليصبح بصيرا. درس البوعزيزي العابر للقارات إن درس البوعزيزي اجتاز الحدود الوهمية التي وضعها المستعمر خلال امبريالية القرنين 19 و 20، ليصل إلى ضفاف النيل حيث تعشش فراعنة من طينة أخرى ، صادرت الاخضرار في اقامات البحر الأحمر و باعت العرب لإسرائيل و تعهدت ألا تطلق رصاصة في وجه الصهاينة ، وتحرس أمنهم و لا تحرس شعبها إرضاء للغرب.فيكفيهم أنهم اليوم في أرق في انتظار أن يختاروا منفاهم بأنفسهم. لأن الشعب أراد الحياة. و تعلم ما ينبغي أن يتعلمه .. لقد كُتب لهذه النهضة الشعبية العربية أن تولد بين تمرد البوعزيزي في تونس و فتح جدول حساب حكام طغاة في العالم العربي.بعد أن حولوا بلدانهم إلى عالم كله وحشة وخوف وتدمر.. فلا أحد يعلم أين تؤول الأمور في تونس بعد زين العابدين وهل فعلا رحل النظام مع رحيله أم سينقض أتباعه على التركة.كما لازال التكهن صعبا في مايخص مستقبل مصر بين توقع قرب نهاية مبارك -الذي يحاكم كل يوم في ساحة التحرير بالقاهرة -، وبين بقائه في السلطة باستعمال الحديد و النار التي تنبأ بحرب بين بوليس النظام و شعب يعيش في غربة داخل وطنه. ترى أين ستسير الأوضاع في عالم عربي ممزق بين شعوب تحلم بالحرية و الكرامة و حكام منهمكين في جمع الثروات مصرين على توريث كراسي السلطة لأحفادهم جيلا بعد جيل. كل شيء له ثمن : فالحرية غالية و الحكم الجائر زائل..و محكمة الشعب هي الأقوى.
المصدر: لحسن أكرام نشر في أزيلال أون لاين

