تابع العالم بذهول ممزوج بالتقدير العالي لتواصل الصمود المصري في مواجهة جنون الاستبداد السلطوي وهو يمانع من أجل البقاء في مواجهة الانتفاضة الديموقراطية، كما تابع العالم درجة التردي الذي بلغته المؤامرة لإحهاض ثورة الشعب المصري، والمدى الذي انهارت إليه الأقلية السلطوية في مصر لضمان استمرارها.
من الواضح أن النظام الحاكم قد اختار سياسة الأرض المحروقة، وهي سياسة قديمة نجحت في الماضي في تأخير ثورات الشعوب لكنها لم تتمكن من القضاء عليها، إلا أن الغريب هو أن يتم اللجوء إليها في زمن العولمة والثورة التكنولوجية، ومقاومة أمس لهذه السياسة درس جديد من مصر للعالم من أن المعركة من أجل الديموقرطية ليست نزهة، بل هي معركة محفوفة بمؤامرات الإجهاض السرية والعلنية، وأن الذين توقعوا أن تكون معركة الديموقراطية في مصر معركة قصيرة لن تختلف عن حالة تونس ، لم ينتبهوا لحجم الفوارق الكبيرة بين النظامين، مما سيجعل المعركة أطول وآثارها على المنطقة أعمق. ما تقوله مصر بجلاء، هو أن فرص الانتقال الديموقراطي لا تتكرر وأنها إذا ما أهدرت وضاعت فإن الأنظمة الحاكمة ومن وراءها القوى السياسية تكون أول من يقدم الثمن، ولهذا لم تلق وعود النظام المصري الحاكم بالإصلاح وتدبير الانتقال أية استجابة عند الشعب، لأنه باختصار فوت الفرصة عندما كانت متاحة، وعندما أراد الاستدراك لم يجد إلى جانبه أحدا سواء في الداخل أو في الخارج. إن مصر الغد نظاما واقتصادا وتأثيرا في السياسة الدولية لن تكون مصر أمس، والعالم العربي غدا سيكون مختلفا في أولوياته وقضاياه وعلاقاته عن العالم العربي الذي عهدناه في الخمسين سنة الماضية، ولهذا على المغرب أن ينظر بعمق لتطورات الوضع المصري والتي تجاوزت في دلالاتها ما حصل في تونس ، وأن يتم العمل على استخلاص دروس الانتفاضة المصرية، وما يزيد من ملحاحية ذلك هو حساسية الموقع الجغرافي للمغرب وخصوصية تنوعه اللغوي والثقافي والاجتماعي ، وما يحتمه من مسؤوليات المبادرة للاستباق المد الديموقراطي القائم في المنطقة العربية مستفيدا في ذلك من رصيده التاريخي وإمكاناته الذاتية التي تؤهله للقيام بذلك . لا مستقبل للاستبداد والخيار الوحيد للحفاظ على مكان في حركة التاريخ هو بالانخراط في انتقال ديموقراطي. إنها رسالة الصمود المصري لنا، والمطلوب أن نقطع مع التردد في خوض استحقاقات الانتقال الديموقراطي.
المصدر: مصطفى الخلفي نشر في التجديد

