ابن شرطي انتحر بسلاح والده وآخر ظهرت له ابنة بعد وفاته
المساء : رجال الأمن، بحكم طبيعة عملهم، يكونون باستمرار في سفر وعمل دائمين. طبيعة عملهم المختلفة تحتم عليهم التغيب عن المنزل والالتزام بمجموعة من الأمور، منها السرية وعدم إصدار الأحكام بدون الاستناد إلى القرائن والأدلة، لكن هل يمكن لذلك أن يؤثر على حياتهم الأسرية وعلى مستقبل أبنائهم؟ «المساء» التقت بأبناء وزوجات رجال الأمن لمعرفة الوجه الآخر لحياة هؤلاء خلف جدران منازلهم. «كتوم، متحفظ، ومنغلق على نفسه» بهذه العبارة لخصت فاطنة صفات زوجها.صفات أحب الأبناء أو كرهوا تنقل إليهم بوعي منهم أو دونه «وجدت نفسي أتحلى بنفس الصفات التي كرهتها في والدي» تقول سميرة، ابنة أحد رجال الشرطة. الطباع والأمور التي كان الوالد يتشبث بها في طريقة تعامله مع أولاده كانت تنقل إلى أولاده، وأصبحت تسري في عروقهم كما يسري الدم فيها. سميرة بالرغم من أنها تكره النظام الشديد والتدقيق في جميع الأمور بصغائرها وكبائرها والتي كان والدها يحاول غرسها فيها رفقة أشقائها منذ الصغر، اكتشفت أن مجمل تلك الطباع انتقلت إليها أحبت ذلك أم كرهت، «هذه الطباع تعيق حياتي، فعوض أن أمضي في مواصلة حياتي بشكل عادي كأقراني، أخسر الكثير من وقتي في محاولة التخلص منها بعدما أدركت أنها عادات سيئة لا أحب أن أتصف بها ولا أريد لأطفالي التحلي بها». وبين ما هو إيجابي وسلبي فإن محمد، ابن رجل أمن، يجد في حذر والده الشرطي وعدم مخالطته الناس أمرا إيجابيا، «بحكم عمل والدي واحتكاكه بأكثر الناس انحرافا وقدرة على النصب أصبح أكثر حذرا في تعامله الشخصي وهو أمر إيجابي» يقول محمد باعتزاز. ابنه انتحر بسلاحه قد يفشل رجال الأمن في حماية أبنائهم من الضياع. محمد أحد رجال الشرطة القضائية بالرباط ظل يحمل في أعماقه آلام فقدانه لابنه بسبب عمله. ابن هذا الشرطي كما حكى ل«المساء» أحد جيرانه كان يمر بمرحلة اكتئاب خطيرة، ففكر الشاب، بعد يأس شديد في وضع حد لحياته بعدما سيطرت فكرة الموت عليه، فلم يجد أمامه سوى حمل سلاح والده المتواجد في الدولاب، ليستخدمه كوسيلة لوضع حد لمعاناته وحياته على وجه الأرض، ليضع والده في دائرة معاناة لا تنتهي. ففقد هذا الأب فلذة كبده وحرم في نفس الوقت من حمل السلاح وظل شبح ولده يلازمه. حالة هذا الشرطي ليست سوى نموذج للمآسي والآثار السلبية التي تتركها طبيعة عمل رجال الأمن على حياة أسرهم. سارة ابنة أحد رجال الأمن تحكي ل «المساء» كيف أن عمل والدها في الشرطة القضائية لسنوات انعكس سلبا على حياتهم العائلية «تحول أبي إلى رجل كثير الشك حتى في المقربين منه». تقول بأسى «تغيرت حياتنا بعدما أصيب والدي باكتئاب بسبب العمل». تحكي وقد اغرورقت عيناها بالدموع، كيف أن عمل والدها في خدمة الوطن لم يخدم إطلاقا حياتهم الأسرية» لم يكن من حقنا التمتع بالعطلة أو السفر كغيرنا من المواطنين» تقول هذه الشابة بانفعال وتأثر كبيرين. «زوجي كان يحملني مسؤولية أي خطأ» معاناة أسر رجال الأمن مع العطل والسفر مشتركة بين جميع هذه العائلات فهذه فاطنة، زوجة أحد رجال الأمن، بالرغم من سنوات زوجها الطوال، لم تستطع أن تتقبل كيف أن عطلهم العائلية وسفرهم لم يكن يحدد حسب الجدول العائلي ورغبة الأبناء وعطلهم المدرسية، ولكن حسب الارتباط بالعمل «لم يكن يحق لنا السفر دائما في الوقت الذي نرغب فيه». أوقات عمل غير منتظمة ومناوبات كثيرة تركت فاطنة تقود في الغالب مركب تربية الأولاد لوحدها «عمل زوجي في المناوبات وعدم تواجده في المنزل كانا يثقلان كاهلي بتربية الأبناء»، لكن، تضيف فاطنة «رغم ذلك لم يكن مسموحا لي بأي خطأ في تربيتهم، وكان يحملني مسؤولية أي خطأ يقع دائما». الصرامة والعنف يميزان تعامله، وقد يمكن تعميمهما على أغلبية رجال الأمن، فحسب إحدى الدراسات الحديثة فإن العنف الأسري منتشر بشكل كبير في أوساط رجال الشرطة. سميرة ابنة أحد رجال الأمن تقر بأن والدها نقل النظام البوليسي إلى المنزل، وتقول: «كان والدي يتميز بالصرامة والحزم الكبيرين» تتحول إلى عنف زوجي في بعض الأحيان هذا ما عانته نجاة خلال سنوات زواجها العشر، «لم يكن ليقبل أن تخالف أوامره، وكان الضرب طريقته للرد على عصيانها» تقول نجاة وتضيف «الحزم يكون مطلوبا في بعض المواقف، أما العنف فكان يزيد من تعقيد المشكلة». ابنة جديدة لزوجها المتوفى أوقات عمل كثيرة ومناوبات ليلية متعددة وتنقلات في مهام رسمية مستمرة يتخذها الزوج في الغالب حجة ليهرب من بيت الزوجية بحثا عن جسد امرأة أخرى بعد أن أصبح جسد زوجته لا يستهويه بعد سنوات من الزواج، ليتخذ لنفسه عشيقة، ينفق عليها ويوفر لها ما أرادت. نجاة أرملة أحد رجال الشرطة القضائية ستصدم بمثل هذا الخبر بعد وفاة شريك حياتها. تتذكر نجاة ذلك اليوم الذي عرفت فيه الخبر «سمعنا في ذلك اليوم المشؤوم دقات على الباب، فتحت الباب فإذا بشابة تبكي وتقول أنا فرد من هذه الأسرة» . طلبت الشابة من الزوجة الإذن بالدخول إلى المنزل فوافقت الأرملة وهي تحت وقع الصدمة والدهشة، لكن نجاة لم تستطع أن تتمالك نفسها وهي تسمع الخبر فأجهشت بالبكاء قبل أن يغمى عليها، «بعد سنوات من الزواج، تحملته فيها بكل حسناته وسيئاته، أصدم بأن لديه ابنة غير شقيقة لأولادي» تحكي نجاة والدموع تنهمر من عينيها حتى رسمت أخدودا على خديها، و«رغم أن زوجي كان كتوما ومتحفظا لم أتوقع أن يخفي علي مثل هذا الأمر» تضيف الأرملة بغضب. فتحت نجاة منزلها للشابة لتنضم إلى العائلة لأنها بقيت وحيدة بعد وفاة والدتها التي أخبرتها وهي تحتضر عن والدها، الذي ظلت الشابة لسنوات تعتقد بأنه ميت. المعاملات القانونية الوسيلة الوحيدة لثقة رجل الأمن رجل القانون لا يمكن إلا أن يكون متشبثا بتطبيقه في جميع معاملاته، فسميرة رغم أنها تعيب على والدها بعض الأمور لكنها أقرت بأن عدم ثقة والدها في الناس جعلت كل تعاملاته قانونية وموثقة «أصبحنا نحن أيضا نتعامل بنفس الطريقة» تقول، قبل أن تضيف «رغم أنه تقاعد فمازال شغفه بكتب القانون كبيرا. يحب متابعة كتب القوانين ومستجداتها ويطلع بشكل مستمر على الجريدة الرسمية». ضبط الأمور القانونية والالتزام تكاد تكون خصلة مشتركة بين جميع رجال الأمن فطبيعة عملهم تحتم عليهم عدم الثقة إلا في الأدلة والقرائن، لذلك فوالد الشابة سارة لم يوافق على تزويج شقيقتها قبل أن يقوم ببحث بوليسي «دار عليه بحث بوليسي عاد قبل به، كأنه أحد المجرمين»، تقول سارة مازحة. تشبث رجل الأمن بعمله يظهر حتى من خلال تتبعه للأنشطة الرسمية «كرهت مشاهدة الأخبار على القناة الأولى، لأن والدي كان يجعل منها أمرا مقدسا لا يسمح خلاله حتى بالحديث» تقول سميرة. كما أنه لا يخلف موعد متابعة الأخبار الرسمية التي تبثها القناة.
المصدر: الوجدية نشر في الوجدية

