كلما صعد فوح الطبيخ إلى أنف البخيل تنهد وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.امرأته تُعد المائدة، وتزينها وتضيف لها ما يفتح الشهية، وحين جلسا هو وامرأته يأكلان. فقال: ما أطيب هذا الطعام، لولا الزحام! طعمه في فمي ألذ من الحياة نفسها. قالت امرأته: أي زحام ها هنا يا رجل؟ إنما أنا وأنت! قال: كانت أمنيتي، ومشتهى نفسي وحبي الكبير أن أكون أنا والقدر وحدنا.
لا أذكر عدد المرات التي طرحت فيها قضية النضال الملتزم على واقعنا التربوي ، ولا أذكر أيضا عدد المرات التي بحثت فيها عن إجابة للسؤال الدائم الذي يراودني والذي لا أشك أنه يراودكم أيضا: لماذا تقدموا هم وتأخرنا نحن على مستوى هذا النضال؟ وهم هنا شرفاء عديدون في شمال وجنوب في شرق وغرب بلدنا الحبيب. وبرغم الإجابات العديدة فإن الوضع النضالي مازال يواصل مرحلة التردي التي يخوض فيها منذ سنوات، ورحم الله مناضلينا الشرفاء حين كانوا يقولون إننا في مرحلة انتقالية وإن النهضة النضالية الحقيقية آتية، وأنا أرى أن هذه المرحلة قد طالت أكثر مما هو مقدر لها، وأن هذه النهضة قد تأخرت أكثر مما ينبغي. إننا في حاجة إلى معجزة، وهي معجزة ليست وليدة الخوارق السماوية، فقد أخذنا نصيبنا منها، وليست وليدة الثورات النضالية، فقد بددنا منها ما يكفي على مصالحنا الشخصية وخلافاتنا الداخلية، إننا في حاجة إلى معجزة “عقلية”، فالتقدم النضالي يأتي أولا من خلال تلافيف العقل قبل أن يأتي من نقل التقنيات واستيراد أدوات هذا التقدم. إن أصل التقدم النضالي في أي مجتمع هو الثقافة الجمعية للمجتمع، فعندما تخفق المحاكاة الشكلية، المنقولة من مجتمع إلى آخر، لقواعد نضال عقلاني وتفشل في الاستنهاض، فإن السبب يجب أن يأخذنا إلى فحص التربية الفردية والتثاقف الجمعي، وشكل القيم السائدة، ولكن ما هي هذه التربية وما هي هذه الدفعة الروحية؟ التي نتوخاها لاستنهاض النضال، تلك عقبة يصعب الاتفاق عليها، لأن المجتمعات المتطورة لا تدرك بالفعل سرها الخاص في التطور، وهناك على هذا الصعيد من النظريات ما يوازي عدد المنظرين، ولم تتمكن أي نظرية من فرض ملاءمتها. لا يمكن لأي دارس جاد لشروط النضال استبعاد أكثر السمات المادية في المجتمع من تلك الشروط، كالدوافع إلى العمل والموقف حيال السلطة السياسية، وردود الأفعال التاريخية، والأخلاق الفردية والجماعية ونظم التربية ومجمل القيم الثابتة في المجتمع، لأنها تؤثر في سلوك كل شعب وتحور مسار كل حضارة، حتى في أكثر المجالات مادية، كالاستثمار وعلاقات الإنتاج والتبادل ومعدلات النمو، يكون لتلك العوامل دور فاعل، لذلك نتساءل: لم لا يكون النضال بعيدا عن اختزاله في معطيات مادية خالصة مثل المصالح الشخصية وحب الذات المستغلة؟ لم لا يكون قبل ذلك ذهنية مواتية للنضال الشريف الملتزم القدوة؟ ماذا لو كانت الديمقراطية لا تنحصر في المؤسسات المعلولة؟ بل تتطلب حسا عاما قادرا على تفعيلها؟ لماذا لا يكون العامل الذهني هو الحاسم “وليس الوحيد بالطبع” لأسباب التخلف والتقدم الفكريين؟ تتعدد الأسباب والنتائج على نحو يجعل من العبث الاعتقاد أن خيطا واحدا قد يحل العقد المستحيلة، فالتاريخ ليس خيطيا، بل هو متعدد الأبعاد، لذا يجب أن تكون دراسته متعددة الاختصاصات، ومن العبث أن نعزل عاملا من العوامل أو أكثر زاعمين أنه يفسر كل شيء، ولكن يبدو مفيدا أن نشير بين عوامل كثيرة إلى أهمية العامل الذي يغفله الكثيرون وهو السلوك البشري، قد يكون أكثر العوامل أهمية، فضلا عن كونه أكثر ارتباطا بنا. التطور النضالي هو سلعة تاريخية نادرة، ولا غنى له عن بعض الشروط الثقافية، هذه الشروط لا تجتمع بالسهولة التي يحسبها البعض، وتبيانها يتطلب استقصاء تاريخيا. التخلف في مسيرة البشرية هو العادي، والتطور هو الاستثناء. ودليل ذلك أن ما يندرج تحت كل هذه العناوين أو التصنيفات الخارجية من كتابات تبدو متباينة متباعدة يلتقي في النهاية حول ما يجعل منها جميعا، وفي كل التجليات أو التنويعات، سردا استعدائيا يقوم به شخص غير واقعي عن وجوده الخاص في علاقته بوجود الآخر، على نحو يفرض تركيز هذا الشخص على حياته الفردية أو تاريخه الذاتي، بواسطة ضمير المتكلم “المباشر أو غير المباشر” الذي يسترجع الوقائع والأحداث من منظور هذا الشخص غير الواقعي. ولنتذكر الجملة شبه الفقرة الافتتاحية التي تبدأ بها “الأيام” للدكتور طه حسين، إذا أردنا مثالا توضيحيا على ضمير المتكلم الذي ينقلب إلى ضمير للغائب، حيث نقرأ: “لا يذكر لهذا اليوم اسما، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله في الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتا بعينه، وإنما يقرب ذلك تقريباً”. وهي جملة استهلالية تنبني على ضمير الغائب الذي هو تحويل لضمير المتكلم وانقلاب به عن مباشرته، تجنبا للتدفق الانفعالي الذي قد ينقلب إلى هشاشة عاطفية من ناحية، وتحقيقا لمسافة لغوية وعقلية تتيح للذات تأمل نفسها بوصفها موضوعا للتأمل وفاعلا للاسترجاع من ناحية ثانية. وقد قرن البلاغيون العرب “التجريد” بما يحاوله المتكلم حين ينتزع من أمر ذي صفة أمرا آخر مثله في الصفة، وجعلوا منه مخاطبة الإنسان غيره وهو يريد نفسه. وأقيس عليه إحالة الخطاب إلى الغير والمراد به النفس، في الآلية التي ينقلب بها ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، فالمشار إليه بخطاب الغيبة في “الأيام” هو الذات التي تتكلم فيها، وتستعيد حياتها في مرآة وعيها، فتغدو فاعل التأمل المضمر ومفعوله الظاهر المشار إليه بضمير الغائب الذي يرتد إلى فاعله الذي هو إياه، في دائرة المبدأ البنائي الذي يوقع التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية، بالقدر الذي يوقع المناقلة بين الضمائر الدالة على هذا التطابق. ومهما كان لون التأويل الذاتي الذي تتلون به الأحداث و الوقائع أثناء الكتابة، نتيجة إعادة صباغتها من منظور كاتبها الذي يستعيدها بطرائقه الخاصة لإبراز دلالة بعينها، فإن التلوين الذاتي للوقائع لا ينفي “الميثاق المرجعي” في إلحاحه على ما يدنو بالكتابة من التطابق مع الوقائع الخارجية بالدرجة الأولى، ومن ثم الإلحاح على صدق الرسالة اللغوية في إشارتها إلى الخارج الخارجي من ناحية، وفي قدرتها على إقناع القارئ بسلامتها وأمانتها من ناحية ثانية. وهذا النوع من المعرفة تاريخي بالدرجة الأولى. مقياسه الحقائق التي ينطوي عليها الزمن التاريخي للنضالات من ناحية، ومعقولية التفسيرات أو عدم معقوليتها في علاقتها بذلك الزمن من ناحية ثانية. ويترتب على ذلك أن اختلافنا أو اتفاقنا مع كاتبها في هذه النقطة أو تلك من مواقفه مرهون بالتبريرات التي يقدمها والوثائق التي يعتمد عليها، سواء من منظور وعينا النقدي الذي يضع كل شيء موضع المساءلة، أو معايير تحققنا من صحة الأخبار وسلامة التفسيرات بقياسها على المواقف التي نعيشها أو يخبرنا من عاشها من غيرنا. نحن لا ننكر أن الشغيلة، في واقعها الراهن تعيش مأساة الافتقار إلى الحدود الدنيا التي قررتها لها الشرائع الأرضية وحتى السماوية.. لا مجرد حقوق في ميادين السياسة والتفكير والتعبير.ويرحم الله من قال إن – للقلب مبرراته التي لا يعلم عنها العقل شيئا -. إن أصحاب العقول الساذجة؟؟، بما لهم من نقاء في القلب، وطهارة في الضمير، يستطيعون النفاذ إلى حقائق أكثر عمقاً من تلك العقول التي أثقلتها المعلومات، والمعارف، والاستدلالات وكثرة المصطلحات، فوضعت على عينها غشاوة، وأبعدتها عن رؤية الحقائق البسيطة التي تكون أمامها في وضوح ناصع! ألسنا نجد في الأقوال المأثورة، والأمثال الشعبية، وكلمات البسطاء من الناس تعبيراً عن حقائق صارخة، أكثر مما نجده في الدراسات النظرية، والبحوث العقلية العميقة المعقدة؟
المصدر: لحسن كجديحي نشر في المسائية العربية

