”المشكلة كانت الاعتراف بإسرائيل من دون حدود.. المسؤولون الأمريكيون حينها أصروا على أن بطاقة دخولي إلى طاولة التفاوض كانت تعتمد الاعتراف بإسرائيل من دون تحديد حدودها، وهذه المشكلة من الأساس”. هكذا لخص رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات ما وصفه بالخطأ الفلسطيني الرئيس منذ بدء المفاوضات مع إسرائيل.
وكلام عريقات هذا الذي يمكن اعتباره نوعاً من النقد الذاتي أو المراجعة لمسار المفاوضات يكشف إحباطاً وحيرة متزايدة داخل حزب المفاوضات الذي بات شبه متأكد من أن المواقف الإسرائيلية لم تتغير منذ 19 سنة، ولا يبدو أنها ستتغير، ويعتقد أن الوقت حان لاتخاذ قرارات صعبة بعد الاكتشاف المتأخر جداً لعدم الجدوى من المفاوضات التي طرقت كل المواضيع وقلبت كل الأحجار. والسؤال الذي لم يجب عليه عريقات هو: من سيتخذ هذه القرارات؟ هل سيتخذها حزب المفاوضات الفلسطيني أم جامعة الدول العربية أم الإدارة الأمريكية؟ ومن المفترض أن تجتمع لجنة المتابعة العربية اليوم بعد انتهاء مهلة الشهر التي أعطيت للأمركان لتجاوز العقبات الإسرائيلية في طريق المفاوضات المباشرة، لكن عريقات استبق الموعد وعبر عن الاستعداد لمنح الأمركان مهلة إضافية، وهو يعرف أن عقبة الاستيطان لن تزول، اللهم إذا كان يقصد تمديد تجميده لبضعة أشهر، والحصيلة لن تتغير. لكن لا مؤشرات على إمكانية موافقة الإسرائيليين حتى على مجرد تجميد الاستيطان إلا إذا قوبل بتنازل فلسطيني، وعلى العكس من ذلك هناك ثلاثة مؤشرات تؤكد أن الوضع سيبقى على ما هو عليه إن لم يتجه نحو الأسوأ.. الأول: أن إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي ليس من أولويات الإدارة الأميركية، خاصة بعد خسارة حزب الرئيس أوباما الأغلبية في مجلس النواب، وانشغاله بإصلاح اقتصاد أمريكا الذي حرمه تلك الأغلبية ووضع مشاريعه الإصلاحية في مأزق، وجلب عليه سخط شريحة واسعة من الأمريكيين، وهو ما يفسر جولته الآسيوية الحالية. وضع الرئيس أوباما هذا يخدم الحكومة الإسرائيلية التي تبدو فرحة لعلو صوت اليمين والمحافظين في أمريكا من جديد، وعودة سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب الأمريكي، مما يستبعد معه ممارسة إدارة أوباما أي ضغوط على حكومة نتنياهو، طبقا للقاعدة الكيسنجرية (نسبة لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر) ”السياسات الخارجية تنبع من فوهة السياسة الداخلية”. نتنياهو الذي يدرك هذه القاعدة سارع للسفر إلى واشنطن للقاء عدد من المسؤولين الأميركيين والمشاركة في مؤتمر للجاليات اليهودية بأميركا الشمالية، لكن زيارته بالطبع لن تركز على المفاوضات مع الفلسطينيين بل على إيران ومطالبة الأمريكيين بالصرامة معها بل وتهديدها على خلفية برنامجه النووي. الثاني: غياب رؤية فلسطينية وعربية موحدة لكيفية التعامل مع حالة الفشل الذريع التي انتهت إليه المفاوضات باعتراف كبير المفاوضين، وتجلى هذا الغياب بوضوح في تحركات لا يبدو بينها رابط، فقبل أيام تحدث وزير الخارجية الأردني عن بوادر لعودة المفاوضات وإزالة العقبات، واليوم يقوم وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط ورئيس المخابرات اللواء عمر سليمان بزيارة إلى واشنطن لإجراء مباحثات مع وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون وطرح أفكار مصرية لإنقاذ مسلسل المفاوضات من الانهيار أو إخراجه من النفق المسدود، والاطلاع على الأفكار الأمريكية على حد تعبير مسؤول في الخارجية المصرية، بعدما زار اللواء عمر سليمان الأسبوع الماضي إسرائيل والتقى بالمسؤولين هناك، وقبلهما زار عريقات وحنان عشرواي واشنطن ضمن فريق من المفاوضين لنفس الغرض. الثالث: الحيرة المهيمنة على العرب والفلسطينيين، فهم شبه متأكدين بأن المفاوضات لن تفضي لشيء ذي بال في ظل مواصلة إسرائيل سياستها العدوانية والتوسعية وهدم المساجد، ولهذا دلالته على مدى الرغبة في السلام، وفي الوقت نفسه عاجزون عن التوجه إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة وإعلان دولة فلسطينية مستقلة، لأنهم يعلمون أن أمريكا ستكون أول الرافضين وستستعمل حق الفيتو ضد ذلك الخيار، أما الدول الأوروبية فلا يمكن الرهان عليها ما دامت تدور في الفلك الأمريكي، فالحكومة البريطانية على سبيل المثال تقدم دليلا لمن كان يشك في عجزها عن القيام بدور يمكن أن يفيد الفلسطينيين من خلال وعد وزير خارجيتها وليام هيغ الأربعاء الماضي بمراجعة القانون الذي يسمح بملاحقة مجرمي الحرب على الأراضي البريطانية، لتمكين المسؤولين الإسرائيليين من زيارتها بعدما أجلت تل أبيب الحوار الاستراتجي مع لندن . وهذه المؤشرات الرئيسة الثلاثة تكشف بالأساس عمق المأزق العربي والفلسطيني، وافتقاده -كما سلفت الإشارة- إلى رؤية واستراتيجية واضحة لحل الصراع مع إسرائيل، فالصف الفلسطيني مشتت، والدول العربية خاصة المعروفة بدول الطوق منقسمة، وتتبنى مسالك متناقضة في التعامل مع ذلك الصراع، فكيف نرجو بعد هذا ونتوقع تقديم إسرائيل تنازلات لقوم منقسمين على أنفسهم؟ إنه ضرب من الخيال.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

