وجه مجمع الأساقفة الكاثوليك من أجل الشرق الأوسط في ختام اجتماعه في الفاتيكان السبت الماضي صفعة لإسرائيل، بدعوته لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في كل الأراضي العربية، ورفضه اعتماد الدولة العبرية على الكتابات التوراتية لشرعنة الاستيطان، في ظل صمت غربي وغياب موقف واضح وصريح من الاستيطان وما يجري في القدس وفي كل فلسطين من اعتداء على البلاد والعباد والتاريخ والذاكرة والهوية الفلسطينية بتنوعها.
تأتي دعوة المجمع، وقد مضى حوالي أسبوعين على مهلة الشهر التي أعطاها العرب في شخص لجنة مبادرة السلام العربية، للإدارة الأميركية للضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان، فلم نرَ توقفا بل إعلانات جديدة ومتوالية عن مشاريع بناء عشرات الوحدات الاستيطانية، وتبجحا إسرائيليا منقطع النظير بقول رئيس الحكومة الإسرائيلية: إن على السلطة الفلسطينية الاعتراف بيهودية إسرائيل لإظهار رغبتها الصادقة في السلام. طبعاً الإدارة الأميركية معذورة، فالكل منشغل بالانتخابات النصفية للكونغرس، ومستقبل موازين القوى بين الرئيس باراك أوباما والمؤسسة التشريعية، وهل ستكون عونا له على مشاريعه، أم حاجزا يعرقلها؟. والمشكلة في العرب الذين أغفلوا هذه الظرفية وكان عليهم أن يعطوا مهلة أكبر، لماذا أحرجوا أنفسهم هكذا؟ ألم تكفِ عقود متوالية من اختبار النوايا؟ فتوالت الخيبات والنكسات والنكبات للاقتناع بأن إسرائيل لا تريد سلاما بل هي ماضية في مخططها الصهيوني، وعليهم أن يبحثوا عن بدائل لمسلسل المفاوضات من دون نتيجة، والسعي لإشراك وسطاء آخرين وعدم الارتهان لوسيط غير نزيه وغير عادل. إن نداء مجمع الأساقفة الكاثوليك من أجل الشرق الأوسط إلى الأسرة الدولية، ومطالبته إياها بالعمل الجاد من أجل تحقيق السلام العادل في المنطقة ب ”تطبيق قرارات مجلس الأمن وباتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية لإنهاء الاحتلال في مختلف الأراضي العربية” وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في وطنه ودولة مستقلة، وقدس غير مشوهة ومحافظة على قداستها وتراثها المتنوع والمتعدد، مفتوحة للأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، هذا النداء يؤكد أن هناك منافذ أخرى للضغط على إسرائيل، لم تطرق بشكل قوي، وذلك من قبيل تشكيل تحالف بين دعاة السلام الحقيقي والعادل والاشتغال على تجريد إسرائيل من شرعيتها دوليا، وخلق رأي عام دولي رافض لاستمرار هذا الظلم واستمرار دعس الدولة العبرية للقرارات والمواثيق” لأن مصير القدس على سبيل المثال لا يهم المسلمين فقط بل يهم المسيحيين غير المتصهينين، واليهود الرافضين لفكرة ”يهودية الدولة ” و ”الوطن القومي” وتصوير المعركة على أنها معركة المسلمين فقط يؤدي لخسران حلفاء مهمين يمكن أن يقدموا الكثير” لأن هيمنة إسرائيل على القدس بمنطق ديني تلمودي، سيكون خطرا ووبالا على الجميع، لقيامه على الظلم، وهو ما جعل المجمع المذكور يقول في ندائه: ”لا يجوز اللجوء إلى مواقف توراتية لاهوتية لجعلها أداة تبرر الظلم”. كما جاء في تصريح المطران كيريلس سليم بسترس أسقف نيوتن بالولايات المتحدة بعد نهاية أشغال المجمع بالفاتيكان أنه ”لا يمكن الاستناد لمسألة أرض الميعاد لتبرير عودة اليهود إلى إسرائيل وتهجير الفلسطينيين ” موضحاً أن الوعد وعبارة ”أرض الميعاد” الواردة في العهد القديم لم يعد لهما مبرر” لأن ”الوعد لم يعد قائما بعد قدوم المسيح”. وأضاف: إنه بعد مجيء المسيح ”بتنا نتحدث عن أرض الميعاد باعتبارها ملكوت الرب الذي يشمل الأرض كلها، وهو ملكوت سلام ومحبة ومساواة وعدل”. وبالإضافة لموقف مجمع الأساقفة الكاثوليك من أجل الشرق الأوسط الذي وصفه نائب وزير الخارجية داني أيالون بأنه تحول إلى ”منبر للهجمات السياسية على إسرائيل في سياق الدعاية العربية” لا يمكن المتابع أن يُغفل مشاركة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر رفقة الرئيسة الأيرلندية السابقة ماري روبنسون في تظاهرة فلسطينية بالقدس المحتلة ضد العنجهية الإسرائيلية، وإشادته بصمود المقدسيين وتمسكهم بأرضهم، فضلا عن انتقاده استمرار الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة ، ومطالبته بأن تكون القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين . طبعاً ديمقراطية إسرائيل المزعومة لم تتحمل موقف كارتر وسارعت لاتهامه بدعم وتأييد حركة حماس على غرار القاعدة البوشية ”من ليس معنا فهو ضدنا”. باختصار، على العرب (الدول والحكومات) أن يفكوا أنفسهم من ”سالفة” المفاوضات فجعجعتها لم تعطِ طحينا، ولا تسجن نفسها داخلها، فهناك خيارات أخرى سلمية تخدم القضية الفلسطينية تخشاها الدولة العبرية أكثر” لأنها كما سلف تجردها وتعريها من أي شرعية.
المصدر: محمد عيادي نشر في التجديد

