في الأسبوع الماضي عرفت فاس تنظيم الندوة الرابعة من سلسلة ندوات مائوية زعيم الاستقلال علال الفاسي ، وقد عرفت نجاحا منقطع النظير، بفضل مشاركة وازنة لعدد من المختصين في مجال التربية والتعليم، وبفضل الحضور الكثيف وغير المعهود في التظاهرات الثقافية التي تعرفها المملكة.
طبعا تفسير ذلك، يرجع بدرجة أولى إلى شخصية علال الفاسي التي تحظى بتقدير معتبر من قبل النخب الوطنية والإسلامية ومن قبل الشرائح المثقفة في فاس ، كما يرجع الأمر أيضا إلى شخصية رئيس مؤسسة علال الفاسي السيد محمد بلبشير الحسني الذي كان هناك إجماع في مختلف فعاليات هذه الدورة وقبلها أنه يعتبر معلم الأجيال، قم يرجع ثالثا إلى خصوصية الموضوع الذي تناول حصيلة كل من التربية والتكوين والمجال الإسلامي خلال قرن وما تتيحه من فرصة لرصد وتحليل واستشراف مسار السياسة التربوية والثقافية واللغوية في المغرب المثير في هذه الدورة التي حضر افتتاحيتها وجزءا من تدخلاتها السيد الوزير الأول عباس الفاسي ، أنها ألقت الضوء على المخططات الاستعمارية التي حيكت ضد اللغة العربية وضد الهوية الإسلامية، لاسيما مداخلة الأستاذ محمد بلبشير الحسني التي تناولت بتدقيق مفصل وعميق مخططات الاستعمار لاستهداف الهوية الإسلامية عبر التنصير، واستهداف اللغة العربية عبر نشر الدارجة وسياسة الظهير البربري ومقاومة التعريب، بل إنها ربطت الحاضر بالماضي، ولاحظت اطراد نفس السياسة في شكل ضغوط خارجية لا تزال تترك أثرها على السياسة التربوية والثقافية واللغوية المعتمدة في المغرب السيد الوزير الأول استمع على الأقل إلى العرض الأول الذي ألقاه خبير في مجال التربية والمناهج والبرامج، واضعا الأصبع على مكامن الخلل في منظومة التربية والتكوين في المغرب والتي تتجلى بشكل أساسي في تهميش مقاربة التربية على القيم في المنظومة التربوية لحساب الاهتمام فقط بجانب المعرفة والمهارات كان يفترض أن يستمع السيد الوزير أيضا إلى بقية العروض التي وقفت على مكامن الخلل في السياسة اللغوية والثقافية، ورصدت التحديات الخطيرة التي تهدد الهوية والعقيدة الإسلامية والوحدة المذهبية والمنظومة القيم في المغرب، وكان يفترض أيضا أن يستمع إلى مداخلة الأستاذ محمد السوسي القيادي في حزب الاستقلال وعضو اللجنة التنفيذية بخصوص مواقف حزب الاستقلال التاريخية في نصرة اللغة العربية ومناهضة هيمنة اللغة الفرنسية على الحياة العامة في المغرب. المفارقة، أن السيد الوزير الأول من حيث الظاهر كما برز ذلك في التصريح الحكومي، يعلن بأن النهوض باللغة العربية لا يزال يشكل خطا ثابتا لدى حزب الاستقلال، لكن واقع السياسة التعليمية والتربوية واللغوية في المغرب، يسير في الاتجاه المعاكس تماما. بين المبادئ والتطلعات التي أعلن عنها قياديون محترمون في حزب الاستقلال، وواقع السياسة التربوية واللغوية في المغرب مفارقة عظيمة، تزيد في تعميقها سياسات التدريج التي هيمنت على المنابر الإعلامية، وسياسات الهيمنة الفرنسية على كل الإدارات والقطاعات الحكومية وعلى الحياة العامة، بل وتزيد في توسيعها سياسة إضعاف اللغة العربية بالطعن في إمكاناتها وقدراتها واتهامها بالقصور وعدم المواكبة وكذا تهميش المدافعين عنها في المواقع، وإضعاف المنابر الناطقة بها، وإقامة تمايز عنصري بين الفرنكفونيين والمعربين نجد صورته في الفرق الهائل في الأجور، وتوزيع الإشهارات على المنابر وغير ذلك من الأمثلة الدالة. بكلمة، لحد الساعة، لم ينفذ الوزير الأول شيئا مما وعد به في التصريح الحكومي بخصوص النهوض باللغة العربية، ولم يقم بأي إنجاز يمكن أن يجعله في مستوى المبادئ التي أعلن عنها حزب الاستقلال والتطلعات التي أعربت عنها الدورة الرابعة لمؤسسة علال الفاسي . أين المشكلة إذن؟ هل هي في وجود لوبيات كبيرة لم يقدر السيد عباس الفاسي حجمها حق التقدير وهو يجعل النهوض باللغة العربية ضمن أولويات تصريحه الحكومي، أم أن الأمر يتعلق بعجز فظيع عن تطبيق كل السياسات التي تم إعلانها في التصريح الحكومي ومنها قضية النهوض باللغة العربية؟ مؤكد أن هناك لوبيات كبيرة قديمة ومتجددة ستقف سدا منيعا ضد أي مسعى لإعادة الاعتبار للغة العربية، لكن مؤكد أيضا أن حزب الاستقلال اليوم لن يكون هو حزب الاستقلال أمس، بما تعنيه من القوة والتجدر والوطنية، إن لم يقم بما يمليه عليه الضمير الوطني بخصوص النهوض باللغة العربية وإعطائها المكانة التي تستحقها. ستكون وصمة عار في جبين هذا الحزب إن خرج من الحكومة، ولم يسجل في رصيده أي إنجاز لصالح حماية اللغة العربية والنهوض بها. مؤكد أن أي إجراء يقدم عليه الوزير الأول بهذا الخصوص سيقيم الدنيا ولن يقعدها من لوبيات المقاومة الفرنكفونية والذيول الملحقة بها، ومؤكد أيضا أنه حتى وإن أخذ هذا الإجراء مجراه، فستوضع له من العراقيل ما يجعله ينتهي في الأخير إلى الانسحاب والموت، لكن أقل ما ينبغي على حزب الاستقلال أن يقوم به في هذه المرحلة، أن يعفي ضميره الوطني، وأن يسجل موقفا لحسابه في هذه الظرفية العصيبة لاسيما والجدل قائم اليوم بخصوص لغة التدريس وتدريس اللغات. أتمنى أن تكون الهمسة قد وصلت إلى أذن من يهمه الأمر.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

