احتضنت العاصمة السورية يومي 29 و30 شتنبر 2010 المائدة المستديرة لرؤساء جمعيات حماية اللغة العربية في الوطن العربي برعاية نائبة رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتورة نجاح العطار، وبحضور رؤساء جمعيات حماية اللغة العربية في كل من المغرب والجزائر والسودان ومصر والإمارات ولبنان، إضافة إلى رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق الدكتور مروان محاسني. وقد مثل الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية الدكتور موسى الشامي رئيس الجمعية. وخلال يومين كاملين تدارس رؤساء الجمعيات الأهلية العديد من النقاط المتعلقة بواقع العربية في الوطن عارضين تجاربهم القطرية الخاصة. وقد تمخض عن اللقاء إعلان دمشق الذي ركز على وجوب التنبيه للمخاطر التي تواجه لغتنا العربية على الصعيدين الداخلي والخارجي ووجود مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقهم للحفاظ على اللغة العربية والتي تستدعي إصدار قوانين وتشريعات ترمي إلى حماية اللغة العربية . و يمكن عرض أهم مفاصل الإعلان كما تناقلتها وكالات الأنباء في العناصر التالية :
التحذير من انتشار العاميات ومزاحمتها للفصيحة، والسعي إلى تحويل اللهجات المحلية من المستوى الشفهي إلى المستوى الكتابي، وتقعيد اللهجات العامية وشرعنتها . التنبيه على الآثار السلبية للعولمة في واقعنا العربي، من حيث استبعاد اللغة العربية الفصيحة من العملية التعليمية لصالح اللغات الأجنبية في المدارس الخاصة والجامعات الخاصة وفي بعض القطاعات الصناعية والتجارية والإدارية والإعلامية والاتصالات. ارتباط الحملة على العربية بالحملات المناهضة لوحدة امتنا العربية، باعتبار اللغة العربية الفصيحة هي المقوم الأساسي لوحدة هذه الأمة وانتمائها وهويتها ونهضتها. التأكيد على مسؤولية الحفاظ على اللغة العربية التي تتطلب إصدار قوانين وتشريعات ترمي إلى حماية هذه اللغة من المخاطر التي تواجهها، وتعزز صيرورتها وانتشارها في جميع مجالات الحياة. التأكيد على ضرورة التعاون الوثيق مع مجامع اللغة العربية في الوطن العربي، والعمل على تنفيذ قراراتها وتوصياتها المتعلقة بالشؤون اللغوية، والدفاع عن العربية . التنسيق بين الجهود الشعبية والحكومية الرسمية والدعوة إلى إحداث هيئة عليا أو اتحاد لجمعيات حماية اللغة العربية في الوطن العربي مقره في دمشق . والواقع أن الاجتماع في حد ذاته حدث ينبغي الوقوف عنده وتحليله. فهو يأتي أولا في إطار مشاريع النهوض بالعربية التي تتوالى في العالم العربي وعيا بقيمة العربية في تشكيل المناعة الحضارية للأمة وبواقعها المزري والهجمات المتتالية عليها . فبعد أن وافقت القمة العربية بدمشق 2008 على المشروع السوري (مشروع النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة) وأوكلت قمة الدوحة مارس 2009 مهمة تنفيذه إلى المنظمة العربية للثقافة والعلوم، توالت اللقاءات والاجتماعات على مستوى الخبراء والأكاديميين والمسؤولين لتنفيذ مقتضيات القرار . وفي هذا السياق يأتي اجتماع دمشق الأخير الذي يأخذ أهميته أولا من كونها المرة الأولى التي يقف فيها ممثلو الجمعيات الأهلية أمام مسؤولياتهم الحضارية والقومية بغية تنسيق الجهود اعترافا من الجميع الهم واحد ومتماثل بين شرق العالم العربي وغربه. فإن كان هناك اعترافي مبدئي بالخصوصيات المحلية لكل قطر فإن الجميع يشترك في الطبيعة الجوهرية المتماثلة للعقبات التي تواجه وجود العربية . لكن الأجمل في إعلان دمشق أنه آمن بأن قضية اللغة العربية ينبغي أن تخرج من ضيق الآفاق القطرية والحروب الجهوية إلى رحابة التنسيق القومي. وهذا ما كنا نلح عليه دوما. لذا فإيمان رؤساء الجمعيات بأن الحروب التي تشن على العربية شرقا وغربا لا يقصد من ورائها الآلية التواصلية بقدر ما يرام منها خلخلخة الشعور القومي والإجهاز على مكونات الهوية العربية الإسلامية التي تعتبر الناظم الجامع للأمة والركيزة الأساسية لوعيها الجمعي. لذا فالمدافعون عن التلهيج والتدريج والفرانكفونية وغيرها من اللهجات واللغات المحلية والإقليمية هم سدنة محراب مشروع تغريبي أسمى يراد منه القضاء على الانتماء الإسلامي العربي ونقض الناظم الجامع بين شعوب الأمة المختلفة . لقد استطاع إعلان دمشق أن يرسم مسارات الدفاع الممكنة التي ينبغي أن تجمع بين المدني الشعبي والرسمي المؤسساتي والقانوني . وفي كل هذه المسارات يلزم التأكيد على دور المجتمع المدني في الانتقال بالدفاع عن العربية من مجرد نقاش أكاديمي صرف تشرف عليه المجامع ومعاهد التعريب والترجمة إلى حالة شعبية تعبوية . ففي كل النقاشات الاجتماعية والسياسية تجد إيمانا مضمرا أو معلنا بمركزية العربية في الشعور الوطني الهوياتي ، لكن الفعل ينبغي أن تقوده فعاليات أهلية تؤمن بالقضية . لكن هذا دون إغفال الجهود العلمية والأكاديمية التي سيظل الرهان هو نقلها من خزانات الجامعات والمعاهد إلى التحقق الفعلي .
المصدر: فؤاد بوعلي نشر في التجديد

