أمين مهاجر بايطاليا منذ 11 سنة يسكن في بيت متواضع, مشكلته بدأت مع الأزمة الاقتصادية حيث فقد عمله وبعد مدة توصل بقرار الإفراغ لعدم تأديته واجب الكراء..قصد مكتب الشؤون الاجتماعية باحثا عن الحل..وكانت بداية مسلسل طويل من استدعاءات واجتماعات وانتظار طويل..وأيضا توثر أعصاب.. كاد الطلاق أن يعصف بالآسرة أكثر من مرة.
الساعة 13و30 دقيقة في قاعة انتظار ليست كمثيلاتها جلس أمين 38 سنة مهاجر مجاز أنيق و بجانبه زوجته سامية 28 سنة يتبادلان نظرات اختزلت كل أنواع الحسرة والانكسار..وأيضا التضامن..وفي ركن غير بعيد كانا التوأم سارة وأحمد 5 سنوات في لحظة فرح عارمة مع لُعب خصصت لأقرانهما..شغب وضحكات بريئة كانت تكسر الصمت الرهيب..عندها تشير لهما الأم (سامية) بالتزام الهدوئ… مكتب الشؤون الاجتماعية عرض عليهم تذاكر العودة إلى المغرب..قوبل هذا بالرفض لان أوضاعه هناك لا تسمح..العرض الحالي هو إيداع الأم مع الأبناء في إحدى دور الإيواء الجماعي..أما أمين فيتدبر الأمر..أو يأتي ببدائل جديدة في لقاء اليوم..فرضية تسليم الأطفال إلى إحدى الأسر أو المؤسسات شغلت فكر وبال أمين فقد فحص كل السيناريوهات المحتملة والسيجارة لا تفارق فمه..وبعد زفير طويل قال أن أصعب شيء هو أن أعود إلى المنزل مساءا ولا أجد زوجتي وأطفالي..ممكن قبول إني عاطل عن العمل أو أي شيء أخر..لكن صعب بل مستحيل أن اقبل أي حل يجعل أطفالي في بيت آخر…. كانت سامية تحاول تهدئته دون أن تنزل دمعة بقيت ساكنة بجفونها..حاولت عبثا التظاهر بالهدوء لكنها انفجرت باكية مستحيل أن يبعدوا عني أطفالي عند أسرة مسيحية لا يمكنهم فعل هذا بنا أنه فعل متعمد ضدنا. الساعة 14 و30 دقيقة حملنا هذا الهم الثقيل إلى السيدة رئيسة قطاع الشؤون الاجتماعية في مكتب مجاور، ذكرناها بتفاقم الأوضاع وارتفاع نسبة قرارات الإفراغ بسبب الأزمة الاقتصادية ولذا وجب إعطاء مهلة اكبر وإعانات أكثر، دون أن ننسى الإشارة إلى الأحكام الجاهزة لبعض العاملين في القطاع وأيضا وجود سوء النية عند البعض. كان جواب السيدة الرئيسة أن مصلحتها تقدم خدمات اجتماعية مهمة للجميع وفق شروط قانونية محددة سلفا ولا دخل لعامل الدين أو الأصل في هذه القضية..أما موضوع تسليم الأطفال فيتم تحت مسطرة دقيقة لحماية القاصرين وبأمر من قاضي الأحداث..وأنهم ينفذون الأوامر فقط، لكن هذا لا يعني غياب المرونة والتعامل مع هذه الملفات بحساسية كبيرة حيث غالبا ما يتم استغلال هامش كبير من السلطة التقديرية..واستغربت لعدم إقبال الأسر المغربية بشكل كبير لاحتضان القاصرين المغاربة مادامت المصلحة الاجتماعية تدفع عن كل طفل مبلغ شهري 516 أورو للأسرة!؟ الساعة 14و45 دقيقة في قاعة الانتظار لم يتغير الأمر فقط الترقب واستعداد لمواجهة الأمر ودقات القلب تسابق دقات الساعة استغلت سامية خروج أمين ليشرب سيجارته العشرين..لتتحدث إلى إحدى المساعدات بأنهم يدفعون زوجها لارتكاب أفعال جنونية وكارثية ورغم إدراكه للعواقب فهو مستعد من اجل الأبناء..فثقافتنا وعاداتنا لا تسمح بذلك… على الساعة 15 نودي على الجميع دخلنا وبقي التوأم مشغولان باللعب…سمعت أمين يهمس بآية الكرسي..ذكرتنا المسؤولة بجميع مراحل الملف والحلول والبدائل وكثرة الملفات وعجز المصلحة لتلبية جميعالرغبات. وأكدت على شعورهم بالألم وأنهم لا يتلذذون بمآسي الآخرين وأنهم على استعداد لتقديم المساعدة في حدود الاختصاصات..أما أمين فبعد أن امتص غضبه شكر الجميع بكل هدوء وطلب منحه مهلة أخرى وعدم تنفيذ الإفراغ بالقوة، آملا الحصول على عمل جديد وسلمهم ورقة كتب عليها موعد مقابلة عمل جديد.. الساعة 16 وفي تبادل سريع للنظرات بين مسؤولي المصلحة الاجتماعية أشٌروا وختموا على المحضر بقبول مهلة جديدة..واخبروا أمين انه يهمهم تماسك أسرته الصغيرة ..تنفس الصعداء وانحنى شاكرا المسؤولين..وخرجت سامية لعناق الأطفال..وحدد موعد جديد بعد شهر من تاريخ اليوم… كان يوما شاقا أمضيناه مع أسرة تقاسمنا معها الآلام والآمال، ظروف الأزمة وقرار الإفراغ وضيق اليد كسرت أنفة أمين..لكنه كان يتمسك بآخر ورقة ثوت..وان العبث بمستقبل الأبناء هو خط أحمر.. وهو واحد من آلاف المهاجرين الذين اكتووابنار الأزمة.. وإذا كان هو قد التجأ إلى المصلحة الاجتماعية,فقد فضل الكثيرون إرسال الأبناء إلى المغرب إلى أن تهدأ العاصفة وهناك من ضاقت به السبل وقبل عيش أسرته في بيوت الإيواء الجماعي بينمافضل هو مرة”طلب اللجوء”عند الأصدقاء ومراتيحتمي بسيارته عندما يرخي الليل خيوطه..المشكل لم يعرف حلا نهائيا.. لكن أردنا إشراك الجميع في التأمل بل الحساس بالهواجس والعيش لحظات الانكسار والانتظار وأيضا الانفراج..واقع تعيشه مئات الأسر المغربية المهاجرة في صمت وفي …خجل أيضا و يحاولون قدر المستطاع أن لا يفقدوا كرامتهم بعد أن فقدوا عملهم…وليسمع من لم يسمع بعد، النداء الأخير ماذا كنت صانعا لو كنت أنت أمين المهاجر؟ + عن التجمع الديمقراطي للجمعيات المغربية بايطاليا
المصدر: حسن شاكر نشر في مرايا برس

