في الوقت الذي راهن البعض على أن يكون عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما عهد انطلاق التطبيع السياسي في المنطقة العربية، وأن يكون للمغرب موقع متقدم في قيادة ما سمته بريادة النهوض بالمصالحة بين إسرائيل والعالم العربي بحسب رسالة أمريكية إلى المغرب في يوليوز الماضي، أدت تطورات القصف الإسرائيلي للقافلة الإنسانية أسطول الحرية والتفاعلات التي تلتها على مستوى المواقف الرسمية والشعبية إلى توجيه ضربة حادة لمشاريع التطبيع التي تسارعت في الأشهر الأخيرة بالمغرب، مما جعل المراقبين يعتبرون أن عودة العلاقات الرسمية بين المغرب والكيان العبري مسألة وقت، وأنها ستكون الثمن لإيقاف الاستيطان، مثلما تردد في وسائل إعلام إسرائيلية وغربية.
سيكون من المفيد الوقوف عند مفارقة دالة وتتمثل في اجتماع نقيضين كشفتهما وقائع الفترة الأخيرة، فمن جهة نلحظ القوة الظاهرية للمرتكزات والأدوات التي يستند عليها خطاب التطبيع، ومن جهة أخرى الهشاشة الكامنة لهذا الخطاب، والتي تبرز عند كل حدث فلسطيني من حجم القصف الأخير لأسطول تكسير الحصار، وهي المفارقة التي ينبغي الوعي بها إزاء خطاب التطبيع، وخاصة عندما ترتفع قوته في المشهد السياسي والإعلامي المغربي. من المرتكزات التي يروج لها هذا الخطاب نذكر، الرباط المتنامي بين قضية الصحراء المغربية والموقف الدولي والأمريكي إزاءها من جهة وفعالية اللوبي المؤيد لإسرائيل دوليا وأمريكيا في إسناد الموقف المغربي، وهو الأمر الذي ازدادت أهميته عندما انكشفت هشاشة تأييد القوى الإنجيلية في الكونغريس الأمريكي بعد حدث ترحيل مجموعة من المنصرين الإنجيليين من المغرب، والذي أدى إلى الإقدام على اتخاذ قرار بتنظيم جلسة استماع في الكونغريس في أواسط الشهر كنوع من المحاسبة للمغرب على قراره. في السياق نفسه، يتم الترويج لمقولة تصاعد النفوذ السياسي لليهود ذوي الأصل المغربي في الكيان الصهيوني، والذين يتجاوز عددهم الثمانمائة ألف ضمنهم 271 ألف يهودي مغربي هاجروا بين 1948 و,2008 بما يتيح للمغرب قدرة على التأثير في دينامية القرار السياسي الإسرائيلي في حالة وجود آلية تطبيعية، وهو الأمر الذي تردد بقوة في ربيع 1999 عندما تم احتضان تأسيس الاتحاد العالمي لليهود المغاربة بالمغرب، والذي حضرته فعاليات سياسية إسرائيلية كثيرة. يضاف إلى ذلك مرتكزيان: الأول قديم ويشمل وجود رصيد تاريخي للمغرب في هذا المجال انطلق مع بداية السبعينيات وأدى إلى تعزيز فعالية المغرب في السياسة الدولية والإقليمية، وخاصة مع الدور الذي عرف به المغرب في مرحلة ما قبل كامب ديفيد، أما المرتكز الثاني فيهم الصعود الجزئي لخطاب مدافع عن التطبيع وعودة العلاقات من قبل أقلية نشاز في الحركة الأمازيغية بالمغرب. ينتج عن تلك المرتكزات سلسلة من التحديات، جعلت من التقدم لإرساء تطبيع سياسي مسألة إجراءات تطبيقية، خاصة مع تصاعد محطات التطبيع العلني، وهو تقدم ظل مرتهنا لغياب غطاء سياسي رسمي وقانوني يتيح دعم وحماية جهود التطبيع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والمدني. وهي وضعية حملت معها تحديات كبيرة أهمها، أن مثل هذه الخطوة ستسهم في تكسير وحدة الموقف العربي وتهميش فعالية السياسية المغربية في المجال العربي، كما سيكون لها أثر بالغ في التشويش على الموقف الدولي والإنساني الرافض للسياسات الإسرائيلية، فضلا عن ضرب مصداقية الموقف المغربي في قضايا القدس وحصار غزة والاستيطان والجدار العنصري، أما على المستوى الداخلي فستساعد في حماية سياسة الهجرة وخاصة في ظل المناخ المتولد بعد تفجيرات 16 ماي ل,2003 والتي من نتائجها هجرة أزيد من 2111 مغربيا يهوديا بين 2000 و,2008 ثم توفير المناخ للابتزاز المسجل في قضية تعويضات أملاك اليهود المغاربة المهجرين إلى إسرائيل، بغض النظر عن ظروف الهجرة وحيثياتها ومسؤولياتها ومساواتها مع سياسة التهجير الدموي التي تمت في حق الفلسطينيين. إن المناخ الذي تولد بعد الأحداث الأخيرة جعل من المرتكزات الآنفة مرتكزات هشة تتوارى أمام قوة الموقف المغربي الرسمي والشعبي، لكن إلى متى سيستمر ذلك؟ الجواب ستقدمه مسيرة الأحد القادم.
المصدر: مصطفى الخلفي نشر في التجديد

