الفكر هو عقل السياسة، والمصلحة هي غايتها، والصراع هو أداتها للوصول إلى مراميها. عندما تتخلى السياسة عن نور الفكر والعلم والتخطيط، تخرج من مسرح التاريخ، وتجلس على موائد «القمار السياسي» تلعب بمصائر الناس ومستقبل الأوطان.. فتارة تربح، وفي الأغلب الأعم تخسر.
السياسة، أكانت في السلطة أو المعارضة، هي فن التخطيط للمستقبل، وهي أداة بناء الأوطان، وأسلوب حضاري لإدارة الصراع حول الثروة والسلطة والجاه، وهي تحتاج إلى دراية بالتاريخ والجغرافيا والأدب والدين والفلسفة والقانون وعلم الاجتماع والنفس، وغيرها من العلوم… السياسات العمومية وعاء لكل هذه الروافد، ولهذا عندما تصبح «البراغماتية» عقيدة السياسة، وتصير السلطة هدفا لها، يسقط الجميع في حفر التخلف والاستبداد واللااستقرار… في كل البرلمانات الديمقراطية، هناك خبراء ومكاتب دراسات وعقول تخطط للسياسة التشريعية في البلد، كما أن الحكومات والأحزاب والوزراء والمؤسسات العمومية تحيط نفسها ب«المادة الرمادية» للعلم والفكر القادر على النظر بعيدا في ما يصلح شأن الأمة والوطن. من هنا بالضبط تنبع المكانة الكبيرة التي كان الراحل المفكر محمد عابد الجابري يحتلها في مشهدنا الفكري والسياسي. لقد كان نموذجا عز نظيره في ما كان يسميه «التشريع للمستقبل». كان مهموما بكل الأسئلة الكبرى التي تشكل اليوم ملفات مقلقة للسياسيين، من مثل القضية الأمازيغية، وكيف نعترف بالحقوق الثقافية للأمازيغ دون أن نسقط في تفكيك الوحدة ولا إنعاش «العنصرية»، وكيف يمكن أن يتصالح الدين مع العصر، بشكل يسمح للحداثة بأن تنبت، إلى جانب التراث والهوية، في حقل واحد، وكيف نحتضن الديمقراطية في وئام مع الجوانب المشرقة لخصوصيتنا المغربية، وكيف نرد الاعتبار إلى اللغة العربية دون أن نسقط في الانغلاق… على مدار 50 سنة والجابري يكافح على جبهة ربط السياسة بالفكر، ولم ينجح دائما في إقناع أهل السياسة بأفكاره، سواء داخل حزبه أو خارجه. اليوم ما أحوج المغاربة إلى إعادة فتح كتاب هذا الرجل، والجلوس إلى ثمرات فكره، علنا نتعلم كيف نحل مشاكل كثيرة تعترض طريق الانتقال الديمقراطي في بلادنا المثقلة بالتقليد والمحافظة التي جمدت أوصالها، وجعلت من المغرب «قاعة انتظار كبرى.. كل شيء يتغير فيها من أجل ألا يتغير أي شيء»… جزء كبير من بؤسنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي له جذور ثقافية، فالإنسان ابن كيمياء بيئته، ولا توجد شعوب معلقة في الهواء مثل نبتة حائطية… لا بد من إطلاق تفكير عميق في طرق الربط بين «القلم» و«السيف»، أي بين العلم والسياسة. لا يمكن أن نضع مستقبل 35 مليون مغربي في يد التكنوقراط الذين يدبرون شؤون البلاد والعباد بتوصيات البنك الدولي ومواعظ «ماكنزي»، فلا يحتاج المرء إلى التذكير بحصيلة كوارث هذا النهج. ربط القرار بالفكر والعلم وأهله هو جزء من رد الاعتبار إلى السياسة والمشاريع المجتمعية الغائبة في بلادنا، رغم أنها حاضرة في كتب مفكرينا.. والرائد الجابري واحد من هؤلاء.
المصدر: أخبار اليوم نشر في أخبار اليوم



