تقديم العتبات النصية – النص الموازي – عبارة عن مداخل للنص ، تشرع أمام المتلقي الطريق لاقتحام هذا النص ، و من خلالها يبني أفق إنتظاراته و توقعاته ، وهذه العتبات لها وظائف متعددة ، و تتخذ أشكال مختلفة «… لها سياقات توظيفية تاريخية و نصية و وظائف تأليفية تختزل جانبا من منطق الكتابة . »1 فهذه العتبات إذن مثل اسم المؤلف ، العنوان ، العنوان الفرعي ، الإهداء ، التقديم ، الغلاف ، الصور ، الألوان ، الطباعة شكل الحروف… كل هذه العتبات تحمل في جوهرها دلالات مباشرة، أو غير مباشرة لها صلات و وثيقة بحمولة النص ، بالإضافة إلى دلالاتها الرمزية و الإيحائية و التي تشكل عنصر إثارة تدفع القارئ إلى التعامل مع النص انطلاقا من تمثله و تأويله لهذه المداخل . وهذه العتبات يتحمل كل من الكاتب و الناشر دورا أساسيا في تحديد معالمها ، ذلك أن المبدع أثناء كتابته للنص ، و اختياره للعنوان ، و الإهداء… يظل المتلقي في ذهنه حاضرا، فهو يسعى إلى إثارة انتباه القارئ بل إلى استفزازه أحيانا ، ثم يأتي دور الناشر – الطبعة – من خلال طريقة إخراجه للكتاب . وسنحاول في هذه الورقة الوقوف على بعض هذه العتبات في ديوان الشاعر المغربي محمد الحلوي المعنون بأوراق الخريف و الذي أصدرته وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية . و سنقتصر فيه على العتبات التالية : الغلاف ، العنوان ، التقديم ، الإهداء . العنوان يشكل العنوان عتبة أساسية في تحديد الأثر الأدبي و قراءته ، فمن خلاله تتجلى جوانب جوهرية تحدد الدلالات العميقة لأي نص«.. مما يجعلنا نسند للعنوان دور العنصر موسوم سيمولوجيا النص» 2 هكذا يصبح العنوان عنصرا بنيويا يعطي للنص هويته و التي تفضي إلى قراءته، أي يمدنا بمفتاح تحليل النص وقراءته فهو» . يقدم لنا معونة كبرى لضبط انسجام النص و فهم ما غمض منه إنه المحور الذي يتوالد و يتنامى و يعيد إنتاج نفسه ، وهو الذي يحدد هوية القصيدة … » 3 ويشبه الدكتور محمد مفتاح العنوان بمثابة الرأس للجسد ، فهو الأساس الذي تبنى عليه لأنه يختزل النص برمته و يقدم للقارئ من هذا المنطلق كعنصر إثارة تدفع المتلقي لاقتحامه ، فيكون بذلك اقتراح عقد ، و باعتباره اقتراح إتصال 4 ومن هنا يبني القارئ توقعه من خلال قراءته للعنوان و يدفعه إلى تحديد جنس النص و مضمونه إعتمادا على صياغته اللغوية و الدلالية «… العنوان بناء على بنية تركيبه و عناصره المعجمية و الدلالية يمكن إن يفضي إلى تجنيس النص و إلى تحديد شكله و دلالته و ترجع هذه الأهمية إلى وضعيته الخاصة بالمقارنة مع العناصر الأخرى.. » 5 فالعنوان إذن يغدو أول عنصر يثير انتباه القارئ ، لكن العنوان لا يشكل دائما المعنى المكثف الموجود داخل النص ،بل قد يعتمد المتلقي على عتبات موازية تساعده على فهم دلالة العنوان ، أو قرائن أخرى خارجة عن العنوان نفسه ، خصوصا عندما يكون العنوان قصيرا مثلا، أما عندما يكون طويلا فيساعد على توقع المضمون الذي يتلوه 6 ، لكن ما نتوقعه ليس هو دائما ما نصل إليه ، لإن العنوان يتخذ وجوه متعددة شأنه شأن الوجه البشري 7 فيأتي مشرقا ، موحيا ، متوثرا ، جميلا عنيفا ،كاذبا… و بالعودة إلى ديوان الشاعر الحلوي – أوراق الخريف – نلاحظ أن العنوان جاء مركبا إضافيا ، من قبيل الإضافة المعنوية ، حيث تمة علاقة بين المضاف و المضاف إليه ، فالمضاف وحده كلمة نكرة تحيل على معان متعددة جاءت جمع تكسير من جموع القلة ، أي ما دل على ثلاثة إلى عشرة ، وقد اكتسبت التعريف من المضاف إليه ، و الذي حدد نوع هذه الأوراق ، الخريف معرفة تشير إلى فصل من الفصول السنة ، يشير إلى الكآبة و الحزن إي موت الطبيعة ، في مقابل الربيع الذي يرتبط بالنشاط و الحياة و العنفوان و الشباب ، فالمعنى المباشر إذن هو أوراق الأشجار التي تسقط في فصل الخريف حين تموت وتصفر، لكن ما علاقة ذلك بمضمون الديوان ؟ بالعودة إلى ديوان الشاعر – الذي يشمل مايقارب مائة و عشرين نصا- نلاحظ أنه يتوزع على أغراض متعددة : الدينيات ، الطبيعيات ، الوطنيات ، القوميات ، المختلفات ، المراثي ، إخوانيات . نشير هنا إلى ملاحظتين اساسيتين : الملاحظة الأولى أن الديوان لا يشمل أي قصيدة تحمل نفس عنوان الغلاف ، و تجعل من الطبيعة موضوعا لها في فصل الخريف ، فالشاعر يمكن أن يجعل عنوان ديوانه عنوان إحدى قصائده . • الملاحظة الثانية أن القصائد التي وسمها الشاعر بالطبيعيات لا تشير إلى فصل الخريف بل إنها تحفل بفصل الربيع بطريقة مباشرة مثل القصائد التالية : ربيع بلادي ، نداء الربيع ، في رياض ابن زيدون في الوادي الكبير، أو بطريقة غير مباشرة مثل القصائد الآتية : غرناطة ، تحية ، ذكراك ، فاس .. وبالتالي ما المقصود بأوراق الخريف عند الشاعر مادام العنوان لا يعكس أفق انتظار المتلقي ؟ أعتقد أن العنوان لا يعكس مضمون الديوان بل إنه مرآة لحالة الشاعر وهو في خريف العمر فالشاعر بذلك يكتب أوراق خريف حياته ، باعتبار الخريف رمز للكآبة والموت أي موت أوراق الأشجار و سقوطها عندما تصفر، في مقابل الربيع كرمز للحياة و العنفوان و الحب و الذي تحفل به قصائد الديوان ، العنوان هنا هو إحساس بالنهاية ، و لعل ما يعزز ذلك هو بعض الأبيات التي تصدرت الديوان تحت صورة الشاعر يقول محمد الحلوي هذا أنا في صورتي ** ظلا لإنسان غبر عبر الحياة كومضة ** و طوته أجنحة القدر أن الرحل نهأية ** محتومة لبني البشر لاشيء يبقى بعد أن ** نمضي سوى طيب الأثر 8 و يشمل الديوان كذلك على قصيدة واحدة يصور فيها نفسه و قد بلغ السبعين من عمره وهو في خريف عمره يقول في مطلعها : هي السبعون ! تعتصر القلوبا **** و تصنع من محاسننا العيوبا تحيل رياضنا الخضراء قفرا **** و تجعل كل مخضل جديبا 9 وخلاصة القول أن العنوان الذي خلعه الشاعر على ديوانه يمكن اعتباره خادعا ، ومن العناوين التي تضلل المتلقي وتقدم عكس ما تحفل به قصائد الديوان في المقابل فإنها تجسد حالة الشاعر وإحساسه بتقدم العمر ، الغلاف يشكل الغلاف نصا ملحقا مباشرا و ذلك من خلال إثارة انتباه المتلقي ، فهو يشكل علامة دالة باعتباره عتبة من عتبات النص و مدخلا لقراءته ، هذه العتبة تقود القارئ إلى مركز الانفعالات و حركية الحياة في مسالك النص 10 و الغلاف كأحد هذه العتبات يساهم في توجيه المتلقي و رسم أفق انتظاره و ليس تمة شك في أن الناشر يتحمل مسؤولية كبرى في طريقة و جمالية إخراج هذا الغلاف – هذه العتبة – و إن كان هذا الاختيار قد يتم باتفاق بين الكاتب و الناشر . الخطاب اللفظي 4 يتكون الخطاب اللفظي على الغلاف من عدة عناصر: الآمر بطبع هذا الديوان وهو جلالة المغفورله الحسن الثاني رحمه الله ، الجهة التي أصدرت هذا العمل وهي وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية ، عنوان الديوان – أوراق الخريف – ثم أخيرا اسم الشاعر الأستاذ محمد الحلوي ، ولا شك أن الخط العربي يتميز بالقدرة على التشكيل انطلاقا من الأبعاد التي يتخذها ، فالخط كأداة … و شكل فني يقع في المدى الأوسط بين دلالته اللغوية و الفنية 11 فتنوع هذه الخطوط من خلال ليونتها و انسيابها وطواعيتها يعكس تنوع هذه النصوص… و لا شك كذلك أن الهدف الجمالي لهذه الخطوط يسبق الهدف المعرفي ، فهذا الخطاب اللفظي يثير المتلقي بتنوع شكل الخطوط ، فالخط الذي كتب به العنوان ليس هو نفس الخط الذي كتب به اسم الشاعر … و يلاحظ على الغلاف غياب الخطاب التشكيلي الذي يكاد لا يخلو منه أي ديوان سعري ، فهناك غياب للصورة التشكيلية التي يمكن أن تضيف للعنوان دلالة بصرية فما يثيرنا هو حضور لونين فقط : الأسود وهو دلالة على الموت و الحزن حيث يلتقي في دلالته مع ما تشير إليه أوراق الخريف ، أي موت الطبيعة ، ثم اللون البرتقالي الذي يعكس كذلك لون أوراق الاشجارعندما تذبل و تذوي و يكون مصيرها الموت فاللونان معا – الأسود و البرتقالي- يعكسان دلالة العنوان ، لكنهما يخيبان أفق انتظار المتلقي . الإهداء الإهداء عتبة من عتبات الولوج إلى النص، وهو يندرج ضمن النص الموازي المباشر، و لا يقل أهمية في دلالته عن اسم المؤلف و العنوان، لأنه يشكل عنصرا مساعدا لاقتحام النص فهو « …أحد المداخل الأولية لكل قراءة ممكنة للنص… » 12 و إن كان الإهداء كعتبة ليس ضروريا و ملزما لكل النصوص بخلاف العنوان و اسم المؤلف ، فإن وجوده يؤشر على أهميته ، أي أهمية المهدي إليه في علاقته بالكاتب من جهة، و من جهة أخرى علاقته بنصوص الديوان وعموما يمكن تحديد ثلاث صيغ يتخذها الإهداء : الإهداء العام ، الإهداء الخاص ، الإهداء المشترك. الخاص يتوجه إلى شخص معين تربطه علاقة حميمية بالكاتب كالأب ، الأم ، الزوجة. . .أما العام فإنه يتوجه إلى شخص أو أشخاص غير محددين قد يكون المتلقي نفسه… أما المشترك فيعنى بالتوجه إلى أشخاص محددين ، و يتواشج فيها الإهداء مع العنوان أو نصوص الكتاب13 . ويندرج اهداء محمد الحلوي في صنف الإهداء الخاص ، لأنه موجه للأب وهواعتراف من الشاعر لدور أبيه في تعليمه و حثه على التحصيل لأن العلم نور و أن كل شيء بدونه ظلام يقول الشاعر في اهدائه : « إلى روح والدي الذي حرك أناملي و روضها على معانقة القلم ، و علمني في الحياة ما لم أكن أعلم ، و أضاء لي درب مسيرتي يوم قدمني قربانا للعلم ، و أفهمني أن كل شيء بدونه ظلام » 14 فما علاقة الإهداء بهذه القصائد إذا كان الإهداء عتبة أساسية لقراءة النصوص ؟ الملاحظ أن الشاعر لم يخصص ولو قصيدة واحدة للأب ، فحضور شخصية الأب غائبة بخلاف تحضر شخصيات أخرى كثيرة خصها محمد الحلوي بقصائد طويلة أحيانا : الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه ، علي الصقلي ،عبد الكريم الداودي ، عزيز الحبابي ، محمد الإدريسي ، محمد العراقي ، محمد أبا حنيني ، أحمد بلا فريج ، أحمد مكوار ،علال الفاسي ، إبن زيدون ، ابن بطوطة ، ولادة ، زرياب ، صقر قريش ، … ثم إن الشاعر خص الأم بقصيدة في ديوانه ، الأم بصفة عامة ، مصورا حملها ومعاناتها ، ثم ولادتها و رعايتها لوليدها و لا شك أن الإهداء لا يختلف عن العنوان في أنه يصرف المتلقي بعيدا عن الهدف من قصائد الديوان . التقديم التقديم عتبة مباشرة ، خطاب يفصح للمتلقي عن طبيعة النص ، يقدم له آليات مسبقة لهذا الأثر أي لقراءته ، فهو بذلك قد يقيد حرية القارئ ، وقد يكون أحيانا إساءة حقيقية لجوهر العمل الإبداعي الذي يفترض فيه توافره على القدر الكافي من الاستقلال . إن العمل الجيد لا يحتاج إلى تقديم حسب جينيت 15 ، فالتقديم و إن كان مدخلا مهما لقراءة العمل الأدبي ، فإنه يفقده الكثير من دلالاته ، بل ينسج وساطة غير مرغوب فيها بين المبدع و المتلقي 16 . من هنا نتساءل ما طبيعة هذا التقديم ؟ ما وظيفته ؟ هل هذا التقديم جاء تعريفيا ؟ أو تحليليا ؟ أم أنه جاء تجنيسيا أو نقديا ؟ إن حجم التقديم لا يمنحنا هذه الفرصة لتحديد هذه الوظيفة . أما طبيعة التقديم ، فتفرض علينا معرفة العلاقة التي تربط بين المبدع و المقدم حتى ندرك هل تمة مجاملة أم أن المقدم يقول الحقيقة .و عموما نقول أن التقديم باختلاف الوظيفة التي يسعى إليها ، فإن لكل متلق فهمه و تأويله للنص ، لأن هذا التقديم في النهاية قد يصادر حرية القارئ في إعادة إنتاجه للنص، قد يشكل حاجزا بين النص و القارئ .و التقديم الموجود في الديوان يندرج في إطار التقديم الغيري ، وهي مقدمه وزير ألا وقاف و الشؤون الإسلامية السابق الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وقد ركز على فكرتين اساسيتين بعيدتين على المستوى التحليلي للنصوص ، فقد ركز المقدم على : *مكانة محمد الحلوي الشعرية في المغرب « من فطاحل الشعراء الذين رفعوا رأس المغرب في محافل الأدب …» ثم منزلته بين شعراء العربية « الذي تعترف الأمة العربية يشاعريته و تضعه في موقعه اللائق بين أقطاب الأدب و الشعر في العالم العربي و الإسلامي » 17 ثم ثقافة الشاعر و تنوع قصائده « ذو معرفة دقيقة ، وباع واسع في علم النحو و الصرف و اللغة و الأدب و علوم البلاغة » « شعره يأخذ بالألباب و يؤثر في النفوس… تشعب أغراضه و تعدد قوافيه … سعة اطلاعه ، سلامة ذوقه ، و على علمه بالشعر…» 18 فالمقدم لم يمنح القارئ آليات و مفاتيح قراءة النصوص ، وبدل أن يقدم للنصوص فقد تحدث عن الكاتب – الغائب- الميت بتعبير بارت . و خلاصة القول و من خلال هذه القراءة البسيطة لعتبات النص يتضح أنها لا تعكس مضامين النصوص اللهم أذا أردنا أن نمارس نوعا من التعسف في التأويل … إنها عتبات كاذبة … لكن ليس بمعناها السلبي ، ذلك أن محمد الحلوي سيظل رائد القصيدة العمودية بدون منازع في المغرب ، و أحد شعراء حركة البعث في العالم العربي إلى جانب الجواهري و الرصافي و شوقي و غيرهم .
المصدر: حسن الرموتي نشر في طنجة الأدبية

