نظم مجلس المستشارين ندوة حول حوار الحضارات والثقافات أفاق واحترام حقوق الإنسان ،شارك بها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وعدة هيئات وطنية ودولية ، إقليم اسفي كان ممثلا بعدة مستشارين أبرزهم أمبارك السباعي الذي ألقى كلمة باسم فريق الحركة الاجتماعية الديمقراطية (نعود لها في العدد القادم )،والسيد المصطفى الكانوني الذي ألقى كلمة باسم التحالف الاشتراكي هذا ملخص لها .
يعتبر الحوار بين الحضارات والثقافات، من أهم التحديات الكونية الكبرى التي تواجه العالم المعاصر، ضمن انشغاله بضبط العلاقات السياسية والإقتصادية بين الدول، هذه العلاقات التي لايمكن أن تستقيم نحو أفق تحقيق السلم والإستقرار والتعايش، دون إعطاء البعد الثقافي في العلاقات الدولية مكانة دالة على أن أي تطور أو تقدم في المجال الإقتصادي والتقني والعلمي يجب أن يتم داخل القواعد والمبادئ الأساسية لمنظومة حقوق الإنسان .فخصائص ثقافة الشعوب، لها تأثير كبير في العلاقات بين الدول، و تحقيق التعاون الدولي يتطلب توظيف هذه الخصائص، بحكم الترابط بين السلوكات السياسية والإقتصادية من ناحية، والسلوكات الثقافية والإجتماعية من ناحية أخرى .ورغم ما يقال بأن الحضارات والثقافات هي التي ستتحكم في المستقبل في الصراع الدولي، فإن ذلك سيبقى مجرد تخمين ومبرر لفرض الهيمنة وتعزيز النظام اللامتكافئ، ومن شأنه أن يزيد في تعميق الصراع . وهذا ما أصبح واضحا وبالخصوص بعد احداث شنبر 2001، في الولايات المتحدة الأمريكية ، وما تلى ذلك من حروب وويلات، وخيبة أمل حول مدى قدرة منظومة حقوق الإنسان وآليات المجتمع الدولي على ضبط التكافؤ والتوازن.وقبل ظهور نظرية صدام الحضارات الحضارات سنة 1993، فإن المؤتمر البرلماني الأول للأمن والتعاون في البحر المتوسط الذي عقد في “مالقا” سنة 1992، سبق أن أقدم على تحديد مجالات للتعاون في البحر المتوسط، ومن ضمنها الحوار بين الحضارات ،الذي يندرج تحته التعاون الثقافي بجانب التعاون السياسي والأمني، والتعاون الإقتصادي واشار إلى المبادئ العالمية ،والقيم المشتركة للحضارة ، والتسامح والتعاون في مختلف الميادين الثقافية وحقوق الإنسان ، مؤكدا على أن حوار الحضارات لابد أن يتأسس على القيم الانسانية المشتركة .إلا أن ما حصل خلال العقد الأول من القرن الحالي من ظهور مخاطر الحرب، واندلاع النزاعات العرقية ،والحروب الاهلية في عدة أماكن في العالم، والإختلالات البيئية و المناخية، والندرة في الموارد الطبيعية ،وانتشار الفقر والهشاشة، بجانب التزايد الديموغرافي والإختلالات الإقتصادية والمالية التي أصابت النظام الرأسمالي المهيمن، أدى إلى طرح سؤال مهم هو كيف نتعايش ونعيش سويا كبني البشر ؟سؤال يشكل في حد ذاته تحدي سياسي واقتصادي وثقافي، وهو سؤال يمكن اعتباره شعار تحدي القرن الواحد والعشرين.واسمحوا لي ان اشير بعجالة الى ثلاث مسائل اعتبرها أساسية : المسألة الأولى تتعلق بضرورة العمل على تحقيق متطلبات النجاح لحوار الحضارات . المسألة الثانية تتعلق بالتربية والتعليم ونشر المعرفة. المسألة الثالثة تتعلق بإدماج الموارد الطبيعية والبيئية .1) هناك اشكالية تحديد من يمثل الحضارات في الحوار، هل هي النخب الحاكمة، أم أنه ينبغي أن يشمل النخب غير الحاكمة ومنظمات المجتمع المدني، وكيفية خلق تشكيلة من الإتجاهات الفكرية المتعددة والفئات المجتمعية المختلفة ؟.ثم هل الحوار بين الحضارات، يعني الحوار بين الدول وبين الأديان ، مع العلم أن الحوار لا يمكن أن يتم بين حضارة ودولة ؟ ثم هناك إشكالية انعدام التكافؤ في الحوار. فالحضارة الغربية تتسم بتفوقها العلمي والتكنولوجي على حضارة العالم أقل تقدما، ومن ثمة قدرتها على التاثير في مسار الحوار.ان نجاح هذا الحوار يرتبط إلى حد كبير بتبني منظور التعددية الثقافية والإعتراف بالثقافات والحضارات وتكافئها. . كما أن مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في الحوار الحضاري من شأنها أن تقوي الحوار، الذي يبقى ناقصا إذا لم تشارك فيه الجماعات التي تتأثر بنتائجه .2) وحتى يبقى للحوار بين الحضارات دوره التاريخي في دعم وتقوية العلاقات بين الحضارات والأمم، وبين الدول والأديان ومختلف الثقافات، لابد أن تتوفر اداة للتواصل والتحاور والفهم، وهذه الاداة هي التربية والتعليم ونشر المعرفة، لاجل تعلم كيفية التعايش مع الآخرين، وتجنب ردود الفعل العدمية والعنيفة..فالتربية هي مفتاح قبول اختلاف بني البشر، وفهم معاني الكرامة المرتبطة بالإختلاف الثقافي .من هنا يبدو أن الهدف الأساسي المحيط بتفعيل وتقوية الحوار يكمن في المحيط التربوي وفي توفير الولوج إلى التربية بأحسن الطرق .3) إن تنمية الإنسان وتنمية قدراته على فهم محيطه وتوقع مستقبله، ،لايمكن أن تتحقق إذا لم تكن مرتبطة بالفضاء العام والمناخ الطبيعي الذي يعيش فيه الإنسان، والمتعلق بالمؤهلات الطبيعية الأساسية كالماء والهواء والشمس وبقية مكونات الطبيعة .فالتغيرات المناخية التي يعاني منها الكون ليست مشكلة محلية أو إقليمية ، وإنما هي مشكلة إنسانية، تتطلب التعاون بين الجميع من أجل وضع حلول مناسبة لها، ويتمثل هذا التعاون في مجال تقوية وتشجيع تقنية إنتاج الطاقات المتجددة، والتعاون في مجال الطاقة وتوزيعها. هناك مخاطر على حياة الإنسان في المستقبل، وحقوقه في التغذية والعيش السليم، إذا لم تحض مسألة المناخ وندرة الموارد الطبيعية بتدبير محكم ورشيد، لتجنب اتساع الفوارق وتزايد الفقر والهشاشة والإقصاء .ايها السيدات والسادةيتعين تشجيع الحوار ودعمه ، وبالخصوص بواسطة المؤسسات البرلمانية والشعبية ، فالسلام في شتى أرجاء العالم سيبقى هشا إذا ما بقيت سلامته مهددة بالفقر والنزاعات، مما يعرض الكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية للمخاطر. ويبقى الحوار وحده المتجذر بقوة في مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية ، هو الحل الأمثل لمواجهة تحديات العصر ، وبواسطته يمكن الوصول إلى التفاهم والتصالح والسلام .
المصدر: أسيف نشر في أسيف

