بعد معالجة كل من المآزق القانونية و السياسية من أصل خمس مآزق كبرى تحكم الخطاب السياسي لحزب الآصالة و المعاصرة نتوقف اليوف عند ثلاث مآزق أخرى: – مأزق حضور المنطق الأمني في الخطاب السياسي للحزب: يبدو أن السيد حسن بن عدي لم ينتبه تماما إلى بعض الأخطاء التي لا يرتكبها في العادة قادة الأحزاب، فالرجل منذ البدء استعمل مفردات متعالية ومهينة للصحافة، وانتقل بعد ذلك إلى الطعن في الأساتذة الجامعيين وفي تحليلاتهم السياسية، وخاطب الباحث في العلوم السياسية الأستاذ الغالي بلغة تهديد لا غبار عليها، وكان يتحدث بلغة إقصائية لا نسبية فيها، وانتصب لأكثر من مرة للحديث من موقع الأستاذية وتوجيه الدروس إلى الآخرين، في الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام أن يجيب عن تساؤلات مشروعة ويعبر عن رأي حزبه فيها دون أن يدخل في تقييم الآخرين إعلاميين وباحثين جامعيين وسياسيين، بل إنه منذ بداية البرنامج كشف عن أسلوبه الذي سيعتمده في الحوار حين أعطى تقديرا للتقديم الذي افتتح به منشط البرنامج مصطفى العلوي وقال : كأستاذ يمكن أن أقول بأن هذا التقديم مستحسن 7/,10 رغم أنه أغفل الحديث عن كوني شغلت مهنة التدريس وكنت أستاذ فلسفة.. وهو أسلوب غير معهود في قادة الأحزاب السياسية الذين دأبوا على تسجيل ملاحظات على التقديم، لكن دون أن ينزلقوا إلى مواقع الأستاذية. ولعل سبب هذه المآزق جميعها بدون شك يرجع إلى اختراق المنطق الأمني لهذا الخطاب، وهو المنطق الذي يظهر الآخرين في موقع الدونية، ويرى الصواب والحق فيما تقوله الأنا، وهو المنطق الذي ينتظر أن ينتج المزيد من المآزق. – مأزق عقدة التعويض عن الهزيمة الانتخابية: كانت الأسئلة الموجهة إلى الأستاذ بن عدي واضحة في موضوع الانتخابات الجزئية، فقد كان حزبه يبشر بقدرته على الوصول إلى النخب التي وصفها في البرنامج بالمعطلة، وظل يتهم عروض الأحزاب بأنها لم تغر هذه النخب وأن مجال انشغال حزبه سيكون هو استهداف هذه النخب، لكن إجابات حسن بن عدي لم تفسر سبب انخفاض نسبة المشاركة إلى أقل مما كانت عليه في الانتخابات السابقة التي لم يكن فيها حزب الأصالة والمعاصرة موجودا، وفضل تهريب النقاش إلى مسألة هزيمة الحزب في الانتخابات إلى مناقشة نسبة الأصوات التي حققها دون أن يفسر السبب الذي جعل أصواته في الوسط الحضري ضعيفة في الوقت الذي يفترض أن تكون النخب المثقفة والمتعلمة المتمركزة في هذا الوسط الأسرع إلى التجاوب مع خطابه. جواب بن عدي تعلل بطبيعة الدائرة في كل من مراكش وآسفي التي يغلب فيها الوسط القروي، وأنه من الطبيعي لحزبه أن يحصل على أصوات كبيرة في هذا الوسط، لكنه لم يتحدث عن الطريقة التي استعملها لكسب هذه الأصوات، خاصة وأن الراشح من الأخبار التي تدفقت غداة الحملة الانتخابية، هي أن ضغوطات شديدية مورست على رؤساء جماعات قروية من أجل دعم مرشح حزب الهمة في مراكش بشكل خاص. – مأزق مشروع الحركة وبرنامجها: ويبقى التساؤل الكبير الذي لن يجد له المتابع للحلقة أي جواب هو مشروع حركة لكل الديمقراطيين وماذا تريد أن تحقق؟ فباستثناء الكلمات الفضفاضة والعامة حول الفعل التاريخي الذي تنوي الحركة تحقيقه، لم نجد في نص الجواب أية تفاصيل تذكر حول عناصر مشروع الحركة والمهام التي ستقوم بها على المدى القريب والمتوسط، فمنذ أن أنتجت أداتها السياسية، والحديث عنها تبخر لفائدة حزبها. هذه بعض المآزق الحقيقية التي ظهرت في حلقة أول أمس من برنامج حوار وهي بدون شك كفيلة بدعوة قادت هذا الحزب إلى إحداث مراجعات حقيقية تبتدئ بطرح السؤال الوجودي: من نحن؟ وما مبرر وجودنا في الحقل الحزبي؟ وأي إضافة نوعية نريد بالفعل حقنها في المشهد السياسي؟ ولكن قبل طرح هذه الأسئلة لا بد من تجنب لغة التعميم، ومنطق التعالي واستهداف الآخر، ولا بد أيضا من الإقبال على انتقادات الإعلاميين والجامعيين والفاعلين السياسيين بصدر رحب من أجل الاستفادة منها في تطوير الحزب لخطابه وممارسته السياسية.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

