ربما كان موقف الإسلاميين من محمود درويش بارداً إلى حد ما، لكن ذلك لا يعني أنهم أنكروه أو تنكروا لإبداعه، بقدر ما عكس ذلك قلة اهتمامهم بالأدب العلماني إن جاز التعبير، في ظل سعيهم لتأكيد هوية المجتمع، فضلاً عن تعامل بعضهم معه (أعني درويش) بمنطق الجماهير العادية التي وجدت حاجزاً ما بين إبداعاته منذ مطلع التسعينات إلى الآن، وهي ذاتها الفترة التي اتسع فيه نطاق الظاهرة الإسلامية، وبالطبع إلى جانب ذلك الحاجز النفسي الذي نصبه هو بينه وبينهم طوال الوقت، بسبب موقفه من الظاهرة الإسلامية. أزعم أنني قرأت معظم، إن لم يكن جميع ما نشره محمود درويش، بما في ذلك المقابلات، وأعترف أنني اقتنعت برأي لما أغادره حتى آخر قصيدة نشرت له قبل أسابيع قليلة، وخلاصته أن الشعر العربي خلال الخمسين سنة الماضية لم يعرف شاعراً بمستواه، وحتى الغموض الذي لف قصائد دواوينه الأخيرة لم يكن من ذلك اللون المسف الذي تتسم به قصيدة النثر في طبعتها الأدونيسية (تلاميذ أدونيس أسوأ على هذا الصعيد منه شخصياً)، إذ بقيت قصيدته قادرة على التواصل مع القارئ، أقله المثقف الذي تأسره اللغة الشفافة والصورة المبتكرة أكثر من النصوص المباشرة واللغة الخطابية. وفي حين منحت القضية الفلسطينية الفرصة لمحمود درويش كي يكون الشاعر العربي الذي لا ينافسه أحد، فقد منحها هو الكثير من الإبداع الذي يجسد تحولاتها ومعاناة شعبها ومن ثم بطولته، وإن تجاهل الفصل الإسلامي من كتابها. مشكلة محمود درويش منذ أوسلو تمثلت في محاولته الخروج من عباءة القضية إلى فضاء الإنسانية كما كان يقول، ربما لأن هناك من أوحى إليه بأن جائزة نوبل (هو يستحقها أكثر من كثيرين حصلوا عليها لو لم تكن مسيّسة) لن تأتيه ما دام متأبطاً كتاب القضية على النحو القديم، وربما تأثراً بهجمات جماعة ما بعد الحداثة عليه وتشكيكهم بإبداعه. حدث ذلك رغم أن الخمسة عشر عاماً بعد ذلك التاريخ كانت أهم سنوات القضية. معلوم أن درويش لم يغادر مربعه السياسي منذ السبعينات، فقد كان مع التسوية قبل أن يمضي فيها ياسر عرفات ، وإن رفض صيغة أوسلو ، ولذلك لم يكن شعره رفضوياً يلغي الآخر الصهيوني، بقدر ما يفضح عنصريته، ورفضه هو مشاركة الفلسطينيين في هذه البقعة من الأرض. بالعودة إلى الإسلاميين وموقفهم من محمود درويش، لا بد من التذكير بأن الرجل لم يتعامل مع الإسلام والنص الإسلامي، إلا كما يتعامل مع النص التوراتي في سياق الرموز الشعرية، مع تجنب ما يثير الإسلاميين، لاسيما بعد ضجة الثمانينات حول عباراته المستفزة عن الذات الإلهية في قصيدة مديح الظل العالي التي كتبها عقب الخروج من بيروت . أياً يكن الأمر، فقد بقيت لدرويش مكانته التي يعترف بها المثقفون في الحالة الإسلامية، غير أن ما كان يثيرهم هو أن كل تلك البطولة التي صاغها إخوانهم خلال التسعينات والألفية الجديدة لم تجد أدنى صدىً في شعره، ولا حتى نثره القليل، لا في السياق اللبناني (بطولات حزب الله)، ولا في السياق الفلسطيني (حماس والجهاد). حدث ذلك رغم أننا إزاء بطولة مميزة، أكان على صعيد الرموز الشهداء (مثال الشيخ أحمد ياسين، يحيى عياش وآخرون، أمهات يودعن أبناءهن الذاهبين للشهادة مثل أم نضال فرحات)، أم على صعيد العمليات البطولية، بما فيها تلك التي لا تدخل في خانة الإرهاب بحسب التوصيف الغربي، كما في عمليات الجنوب اللبناني، وعمليات كثيرة في الضفة وغزة ضد الجنود والمستوطنين، معركة مخيم جنين. كل ذلك لم يغير في واقع أن درويش ظل الشاعر المبدع الذي لا يشق له غبار، وإذا كانت مواقف المتنبي البائسة لم تحرمه تلك المكانة الفريدة في تاريخ الشعر العربي، فإن محمود درويش كان شيئاً مختلفاً بكل تأكيد، رغم الملاحظات التي أوردناها. رحم الله محمود درويش، فقد قال وأبدع، ثم مضى ورحلة التحرير لم تكتمل بعد، لكنها ستكتمل من دون شك، وفي وقت لن يطول بإذن الله، والمسار الذي أخرج الغزاة من لبنان هو ذاته الذي سيخرجهم من فلسطين .
المصدر: ياسر الزعاترة نشر في التجديد

