كان الجو حارا تلك الظهيرة من العشرة الأولى من شهر غشت، وكانت فتيحة وأخوها قد ذهبا كعادتهما إلى الشاطئ والذي لا يبعد عن منزلهما سوى بأربعمائة متر تقريبا، وكان محمد قد عاد من العمل، منهك القوى، تمدد على اقرب سرير في انتظار تهيئ طعام الغذاء، ولم يمر سوى بضع دقائق، حتى دعته مليكة للجلوس على مائدة الطعام، تناولا ما تيسر لهما وقامت الزوجة بتنظيف المكان، وسرعان ما احتد النقاش، أو إن شئنا استؤنف النقاش، حول البيت والزواج الثاني، واحتد النقاش وقاد إلى رفع الأصوات، وتبادل الاتهامات، وأحست مليكة بخنجر حاد يخترق أحشاءها بعد نعتها بالعقم، فلم تتمالك أعصابها ووجهت لمحمد صفعة على خده وطلبت منه مغادرة بيتها على الفور، وهي اللحظة التي وجه لها فيها عدة طعنات، قبل أن يعمد إلى محاولة تمزيق بطنه في حركة يرمي من ورائها، الإقدام على الانتحار…البحث عن الولد
نشأ محمد في بيت فقير، وسط أسرة تتكون من تسعة أفراد، كان والده يشتغل في إحدى الشركات وكان راتبه الشهري الضعيف هو المصدر الوحيد لإعالة أسرة كثيرة العدد، ولم يتمكن محمد من متابعة دراسته للثقل المادي الذي كان يرهق به ميزانية والده، وتوقف قطار دراسته عند السنة الثالثة إعدادي، حيث وجد نفسه مضطرا للخروج إلى العمل، وحاول إتقان مجموعة من الحرف التي كان يتنقل عبرها إلى أن استقر به المقام في واحدة منها ووجد نفسه يتقنها وهي حرفة البناء، وتعلم أصولها وشرع في تطبيق ما تعلمه من مختلف الأوراش، التي مر منها، واستطاع أن يكسب قوته وكان يساهم في التخفيف من عبء مصاريف والده، من حين لأخر، قبل أن يتزوج من فاطمة…بعد زواجه استقل بحياته مع زوجته، ورغم صغر بيت الزوجية، كان سعيدا في حياته مع فاطمة والتي استطاعت أن توفر له الأمن والأمان، حيث كان يعود متعبا من العمل فيجدها في استقباله، إلا أنها لم تستطع تحقيق حلمه، فرغم مرور ثلاث سنوات، لم تستطع فاطمة منحه الولد الذي يهفو إليه وهو الذي نشأ في وسط لا يعرف ولا يقبل بغير الأولاد، وتحت إشارات وتلميحات أفراد عائلته وأقربائه وجد نفسه يقدم على تطليق فاطمة ويتزوج من مليكة، وهي التي فقدت زوجها منذ أمد قريب، ولها بيت ورثته عنه، وكان الود يجمع بين محمد ومليكة ورغم مرور سنوات دون أن تلد له الخلف، اقتنع بكون الله يهب الذكور والإناث لمن يشاء ويجعل من يشاء عقيما، وقام بتبني بنت أخته وابن أخيه واعتبرهما بمثابة ابنيه اللذين لم تلدهما مليكة، واستمرت الحياة بصفة عادية، إلى أن وقع ما عكرها…الزواج الثالثوكان لمليكة بيت قديم ورثته عن زوجها كما اتفق، وأرادت أن تقوم بترميمه، فطرح عليها محمد فكرة إصلاحه وترميمه ولكن شريطة مناصفتها فيه، ولم تمانع في ذلك، وقام بتجديد البيت، وكلفه ذلك حوالي 25 ألف درهم، وهي كلفة مرتفعة حسب ظروف المعيشة آنذاك، ومرت الأيام سريعا وكانت الحياة بينهما هادئة سيما وان فتيحة بنت أخته وابن أخيه كانا يملأن البيت صخبا وشغبا جميلا، أنساهما حرقة الولد من صلبهما، وفجأة استيقظ هاجس البحث عن الولد عند محمد، وفكر في الزواج من امرأة أخرى غير مليكة، وبدأت الفكرة تنضج في ذهنه، إلى أن تحققت بزواجه من نعيمة، وتركها في بيت بعيد عن مليكة وترك ذلك في حكم السر، ولكن مثل هذه الأمور تجد ألف وسيلة ووسيلة لنشرها ووصل الخبر إلى مليكة…نشب النزاع بين محمد ومليكة حول زواجه من نعيمة، وما كادت تعلم به حتى ثارت ثائرتها وتغير طبعها ولم تعد تطيق الجلوس إليه ولا التحدث معه، وطالبته بتطليقها ، وتمسكت بطلبها ولم يعد لها حديث سوى حديث الانفصال، وكان لها ما أرادت، ولكنه لم يطق الابتعاد عنها وحاول استرجاعها، وتودد إليها ولكنها اشترطت عليه التنازل لها على حقه في المنزل الذي اقتسمه معها، وبالفعل تنازل لها على نصيبها وحرر وثيقة بيعه لها..النقطة التي أفاضت الكأسولم تعد العلاقة بين محمد ومليكة إلى سابق عهدها، حيث اعتبرته ناكرا للجميل، واعتبرته خائنا للمودة والعشرة التي جمعتهما لأكثر من عشر سنوات، عندما أقدم على الزواج من نعيمة وظلت تزن عليه وتطلب منه تطليقها، وهي النتيجة التي توصل إليها حيث قام بتطليق نعيمة، ولكن أمورا لم تكن في الحسبان حصلت وعقدت المسألة، حيث رفعت الزوجة المطلقة دعوى قضائية من اجل حقها في النفقة سيما وأنها حامل، وهو الخبر الذي نزل على كاهل محمد كالصاعقة، فهو الذي ظل يبحث عن الولد ولما تأتى له ذلك قام بتطليق المرأة التي استطاعت أن تهبه الولد، وفكر في إرجاعها وإسكانها مع مليكة ولكن هذه الأخيرة رفضت رفضا باتا عرضه، ووجد محمد نفسه بين المطرقة والسندان، هل يسمح في الزوجة التي تحمل ابنه ويبقي على الزوجة التي استطاعت أن تجرده من حقه في المنزل، وساءت العلاقة فيما بينهما، وعزم محمد على مجاراة العاصفة إلى أن تهدأ، وآنذاك يمكنه الحصول على حل ملائم لمشكلته…وظل محمد يسايس مليكة ويحاول إقناعها بإرجاع نعيمة لأن في ذلك مصلحة الجميع ولكنها كانت تقفل كل الأبواب التي يحاول فتحها، وانكمش قلبها من ناحيته خاصة وأنها استرجعت حقها في المنزل، الذي كانت قد فوتته له عندما قام بترميمه، وكان هو يعلم أنها أصبحت لا تطيقه، وفي يوم الحادث عاد خلال موعد الغذاء وما كاد يتمدد على أقرب سرير، حتى طلبته لتناول الطعام، وبعدها بقليل فتح باب النقاش حول معاملته لها وغدره لها عندما أقدم على الزواج من غيرها، واحتد النقاش ووجهت له نقدا لاذعا وهو ما دفعه إلى نعتها بالعاقر وهي اللحظة التي جن جنونها ولم تتمالك أعصابها فصفعته وطلبت منه جمع حاجياته ومغادرة بيتها إلى الآبد، وأظلمت الدنيا في عينيه عندما صفعته وطردته حيث لم يجد أمامه سوى السكين الموضوعة على حافة آلة الخياطة فتناولها وهوى عليها مرة ومرتين وثلاث إلى أن خارت قواها وحاولت الهروب ولكنها سقطت في بهو المنزل، ولما علم محمد بخطورة فعله، حاول الإجهاز على نفسه في محاولة للانتحار ولكنه لم يقو على ذلك وخرج كالمجنون يصيح بكونه أقدم على قتلها بعدما قتلته، ورغم انه حاول الدفاع عن نفسه وصرح انه تعرض للضرب من طرف مليكة وانه اختطف السكين منها وضربها محاولا الدفاع عن نفسه، إلا أن شهادة الجيران والذين أكدوا انه خرج إلى الزقاق وهو يصيح لقد قتلتها، لقد قتلتها، وهي الشهادة التي ساهمت في إجلاء الحقيقة، حيث توبع بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد طبقا للفصلين 392 و393 من القانون الجنائي…
المصدر: أظلمت الدنيا في عيني محمد عندما صفعته زوجته وطالبت نشر في أسيف

