Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » المعجم الشعري بين النقد القديم ورؤية النقد الحديث

    المعجم الشعري بين النقد القديم ورؤية النقد الحديث

    بواسطة دابا ماروك15 يناير، 200612 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    مما لاشك فيه أننا لا نستطيع تناول المعجم الشعري تناولا جادا إلا في ضوء نظرية شاملة تؤطر هذا النوع المتميز من الإبداع. وعناصر هذه النظرية ?في تصورنا- هي ما يلي:

    1. ماهية الشعر وطبيعته 2. مكوناته وخصائصه 3. وظيفته وفوائده 4. علاقته بالحياة. وفي إطار المكونات والخصائص، ينضوي الحديث عن المعجم الشعري. ذلك أن القصيدة بنية شمولية تضم بنى جزئية داخلية، تنطلق من الحرف إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى الجملة، ومن الجملة إلى السياق، ومن السياق إلى النص، ثم إلى نصوص أخرى، إذ لا شيء يمنعها من الانتقال إليها بواسطة الإيحاء والتداعي وكافة أنماط التناص. إن أول ما ينبغي التركيز عليه في أية دراسة معجمية هو الطابع اللغوي للشعر. فالشعر لغة، أو -إذا شئنا- هو مستوى راق من مستوياتها، ومن هذا المنطلق، صح لدى الكثيرين جعله موضوعا للدرس اللساني الذي يرى من حقه أن ينصب على سائر الأشكال اللغوية بما فيها الشعر، فأي تحليل للنص الشعري ينطلق من اللغة، من مستوياتها الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية. وتستمد الوحدات المعجمية (أو المورفيمات) قيمتها من كونها العناصر الكبرى التي يتكون منها التركيب بصنفيه: النحوي والبلاغي. وهي ذات وظيفة ثنائية: تراكمية وتراتبية، فهي لا تقتصر على تشكيل حقول دلالية داخل النص بوساطة الاشتقاق والترادف وما إليهما من أنواع القرابة المعنوية التي يحققها تراكم مفردات بعينها، بل تتجاوز هذه الوظيفة إلى توفير عنصر الإبداعية وخلق الكون الشعري المتميز عندما تنتظم داخل التركيب بكيفية تتيح لها أن تتفاعل على نمط مخصوص. غير أن هذه الوحدات ليست وقفا على الشعر وحده، بل تشاركه فيها سائر أنماط القول، فضلا عن الفنون النثرية التي تنضوي مع الشعر ضمن نظرية الأدب. ومن هنا، فإن دراسة المعجم الشعري تتم عبر الأسئلة التي يطرحها علماء اللغة، وهم في الإجابة عنها يختلفون، بالرغم من أن الفرق بين الخطاب العادي واللغة العلمية من جهة، ولغة الشعر من جهة ثانية واضح جدا، ولعل من أبرز هذه الأسئلة ما يثار حول مدى اعتباطية المعجم الشعري أو قصديته، أي حول وجود أو عدم وجود علاقة بين اللفظ ومدلوله داخل القصيدة. -1- إن أوضح ما يميز لغة الشعر عن سواها عنصران فنيان هما: الإيقاع، والانفعال القائم على التصوير والتخييل. وبديهي أن الاختلاف بين الشعر وباقي أنماط اللغة، يقتضي اختلافا بين الكلمة الشعرية وغيرها من الكلمات، وإذا كان الأمر كذلك، فما حدود هذا لاختلاف؟ ما هي خصوصيات الكلمة الشعرية ووظيفتها؟ وهل يجوز أن تنقل إلى غيرها من فنون القول؟ وبالتالي: هل يجوز أن ينقل معجم الميادين الأخرى إلى الشعر، كمعجم المهن والصنائع والعلوم؟ ألا يمكن أن يحصل التداخل بين هذه المعاجم داخل الإبداع الشعري؟ ومن جهة أخرى إلى أي حد تستطيع لغة الخطاب العادي أن تقتحم أسوار الشعر، وتتربع على عرشه؟ لقد بدأ وعي الأقدمين بتميز المعجم الشعري عن غيره منذ القرن الهجري الثاني، كما تكشف عن ذلك إشارات تنم عن تصور عام فضفاض لهذا المعجم، من هذه الإشارات ما أثر عن خلف حيث قال: [قال لي شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت من الشاعر قال: (أنبت قيصوما وحثجاثا) فاحتمل له، وقلت أنا: (أنبت إجاصا وتفاحا) فلم يحتمل لي؟ ] -2- وواضح من كلام هذا الشيخ تعايش نمطين معجميين في شعر هذه المرحلة: أحدهما بدوي يقبله النقاد، والآخر حضري يرفضه المحافظون منهم، فهم لم يستسيغوه بعد، لقرب العهد ببداية الانفصام بين البداوة والحضارة. هذا التصور العام للمعجم الشعري الذي ساد خلال القرون الهجرية الأولى، سيتحدد بوضوح لدى ابن رشيق في قوله : (وللشعراء ألفاظ معروفة، وأمثلة مألوفة، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها ولا أن يستعمل غيرها…). -3- وهو في كلامه هنا لا يترك اللغة ملكا مشاعا بين الفنون الأدبية جميعها من شعر وخطابة وأمثال وكتابة، بل يتحدث عن اصطلاح الكتاب (على ألفاظ بأعيانها، سموها الكتابية، لا يتجاوزونها إلى سواها). -4- وهذا الرأي يتبناه ابن سنان الخفاجي في (سر الفصاحة) حيث يرى أنه: (من وضع الألفاظ موضعها ألا يستعمل في الشعر المنظوم والكلام المنثور من الرسائل والخطب ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم والألفاظ التي تختص بها أهل المهن والعلوم…). -5- ومن هذا المنطلق، عابوا على أبي تمام قوله: (تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت أعمارهم قبل نضج التين والعنب) بدعوى أن التين والعنب ليس مما يذكر في الشعر وأنه مستهجن. -6- كما عابوا عليه استعمال ألفاظ الفلسفة وعلم الكلام والفقه وغيره في بعض أشعاره. والسبب في ذلك انطلاقهم من تصور معياري لفصاحة الألفاظ وجودتها، واضعين نصب أعينهم قصائد البدو الجفاة، التي نظمت قبل ازدهار الحضارة العربية الإسلامية وانتشار العمران، متجاهلين ما استجد من الألفاظ بسبب عامل التمدن ورقي العلوم، غافلين أو متغافلين عن اتساع ثقافة الشاعر وأثر ذلك في شعره. وقد تصدى ابن الأثير للرد على ابن سنان الخفاجي معقبا على رأيه المذكور بقوله: (وهذا الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة… وسأبين فساد ما ذهب إليه فأقول: أما قوله إنه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل العلم وأصحاب تلك الصناعة، فهذا مسلم إليه، ولكنه شذ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعة، لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه ولا حاصر يحصره، فإذا أخذ مؤلف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى من المعاني وأداه ذلك إلى استعمال معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك فليس له أن يتركه ويحيد عنه، لأنه من مقتضيات ذلك المعنى الذي قصده). -7- ولا يخفى أن موقف ابن الأثير هذا أكثر تفهما لوضع الشعراء المحدثين، وملابساتهم الثقافية والحضارية. والخلاصة أن موقف النقاد القدامى من قضية المعجم الشعري في استقلاله أو تداخله مع مجالات أخرى، قد تحدد استنادا إلى النماذج الإبداعية التي اعتمدوها في عملية الاستقراء التي وجهت تنظيرهم النقدي، فالذين ارتكزوا على الشعر القديم قالوا باستقلال المعجم الشعري وتميزه، والذين نظروا إلى الشعر المحدث أو المولد ذهبوا إلى إمكان استعارة الشعر ?أحيانا- ألفاظ أهل المهن ومصطلحات العلوم والفنون، وإن كانت مكملة تدفع إليها الضرورة التعبيرية، ولا تشكل إلا حيزا ثانويا إلى جانب المعجم الشعري الموروث المتميز بأصالته. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن سنان الخفاجي وابن الأثير كليهما لم يميزا ?كما فعل ابن رشيق قبلهما- بين المعجم الشعري ومعجم النثر الفني، وكأنهما بهذا الموقف لا يضعان حدودا صارمة على مستوى الألفاظ بين هذين النوعين اللذين قد لا يفصل بينهما إلا الوزن. وإذا كان الشعر العربي يتنوع إلى أغراض، فهذا يقتضي أن تتعدد الحقول الدلالية بتعدد الأغراض، وأن يتضمن المعجم الشعري العام معاجم خاصة يتصل كل منها بغرض محدد، ولا يخرج عنه إلا انزياحا لنكتة بلاغية، كتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتأكيد الذم بما يشبه المدح، ومخاطبة الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة المحبوب والصديق، كما كان يفعل المتنبي(تبحرا في الألفاظ والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة الشعراء، وتدريجا لها إلى مماثلة الملوك). -8- وما أكثر ما كان الشعراء ينقلون اللفظة من غرض إلى غرض، فيفطن النقاد إلى صنيعهم، ويواجهونه بما يستحق من استحسان أو استهجان، ومن هذا القبيل ما فعله أبو تمام حين قال في وصف حسناء: (لها منظر قيد النواظر لم يزل يروح ويغدو في خفارته الحب) وقد وقف البغدادي على هذا البيت مطريا، معتبرا إياه توليد بديع من بديع، معقبا عليه بقوله عن صاحبه: [فإنه ولد قوله (قيد النواظر) من قول امرئ القيس ‘قيد الأوابد)، لأن هذه اللفظة التي هي (قيد) انتقلت بإضافتها من الطرد إلى النسيب، فكأن النسيب تولد من الطرد، وتناول اللفظ المفرد لا يعد سرقة]. -9- هذه الإشارة ومثلها، بقدر ما تعبر عن موقف نقدي، فإنها تدل كذلك على وعي هؤلاء النقاد بأن لكل غرض ألفاظا خاصة، تحقق داخل التركيب نوعا من التماسك والانسجام. وكما اهتم النقاد والبلاغيون القدامى بطبيعة اللفظة الشعرية وخصوصياتها المميزة، وضعوا لها شروطا تضمن فصاحتها وقدرتها على التأثير، إذ ألحوا على أن تكون حلوة مستعذبة، غير عامية ولا سوقية مبتذلة، وبقدر ما دعوا إلى تنكب الركيك والخنث والسفساف من الألفاظ، شددوا على ضرورة الابتعاد عن المهمل والمتقعر، وهو ما كانوا يطلقون عليه الغريب والوحشي أو الحوشي. ولم يغفلوا الإشارة إلى تطور المعجم الشعري تبعا للتغيرات الاجتماعية الناتجة عن تعاقب الحقب والأزمنة، وانتقال الناس من مرحلة البداوة إلى مرحلة التحضر، وكلام القاضي الجرجاني في هذا معروف مشهور. -10- لأجل هذا، تعقب النقاد من تعاطي الغريب من المحدثين كأبي تمام والمتنبي، واعتبروا اللفظ المعيار في الشعر ما كان وسطا بين الغرابة والابتذال. يقول أبو هلال: (وأما الجزل والمختار من الكلام فهو الذي تعرفه العامة إذا سمعته، ولا تستعمله في محاوراتها).-11- غير أن المستعذب من الألفاظ ?في نظر حازم- يشفع له استعذابه في أن يخفى على عامة الجمهور، لأن غموضه قد يجلوه ما يجاوره في العبارة أو تكشفه معرفة خاصة الجمهور له. -12- هذه باختصار مجمل القضايا الهامة التي طرحها نقدنا القديم حول المعجم الشعري، فماذا عن النقد الحديث؟ ما هي خصائص الكلمة الشعرية في تصور المحدثين وبماذا تتسم؟ يرى (جان كوهن) أن الكلمة الشعرية حية، وملونة وحارقة ومنشدة ومزعزعة للإحسانس. -13- ولكن، هل تنسحب هذه الصفات على سائر الكلمات التي يتكون منها النص الشعري؟ من الواضح أن كلمات الشعر ليست على مستوى واحد من الأهمية والقدرة على التأثير. فهناك كلمات تقتضيها مواضعات التركيب، ويستدعيها الأسلوب، وليست لها خصوصية تأثيرية في ذاتها ما لم يشحنها الشاعر بشحنة انفعالية يقتضيها البناء الفني للقصيدة. وتندرج في هذا الصنف الروابط وما شاكلها. لأجل ذلك، يميز (بيير غيرو) بين كلمات المعنى وكلمات البنية، أو بين الكلمات الأسس في الجملة النحوية وأدوات الربط.-14- ومعلوم أن كلمات المعنى هي التي تحتل الصدارة على المستوى المعجمي للقصيدة، أما كلمات العلاقة أو البنية أو الربط فأهميتها تتجلى أساسا على مستوى التركيب، إذ هي التي تحدد العلاقة بين الوحدات المعجمية داخل العبارة. وإذا كانت الكلمة الشعرية مقتطعة من جسد اللغة، فمن الطبيعي أن ينصب الاهتمام على موازنتها بمثيلتها في اللغة العادية ليتبين الخلاف بينهما وتبرز أوجه المفارقة. وذلك ما فعله مولينو وتامين. فهما يريان أن (اللغة العشرية بالرغم من كونها تتأسس انطلاقا من عمق لغة التواصل، فإنها ?مع ذلك- غالبا ما تأخذ أشكالا مباينة لها، لدرجة تصبح معها غير مفهومة، بسبب التغيرات العديدة التي تجريها على لغة التواصل). -15- وفي سياق هذه الموازنة بين النسقين اللغويين التواصلي والشعري يرى لوتمان (أن لغة النص الشعري، كلغة كاملة ومستقلة، تشبه اللغة الطبيعية في مجملها، تشبهها وليست جزءا منها)، وأن (الوجود الشعري… لا يتمتع فقط بمتن كلامي خاص، بل وبنظامه الذاتي من المترادفات والمتضادات، ففي بعض النصوص يمكن “للحب أن يكون مرادفا للحياة، وفي نصوص أخرى قد يرادف الموت، وفي طائفة ثالثة قد يترادف الليل والنهار والحياة والموت… غير أن هذه الكلمات نفسها، حتى وهي تتمتع بمعناها الخاص في البنية الشعرية، لا تفقد دلالاتها المعجمية، ولاشك أن الصراع والتوتر بين هذين النمطين من أنماط الدلالة شديد الوضوح، وبخاصة أنه يعبر عنهما كليهما في النص برمز لغوي واحد هو الكلمة). -16- إن موقف (لوتمان) هنا يرتكز على الجانب الدلالي للفظة الشعرية وهو فيما استنتجه، بناء على الموازنة التي عقدها بين الكلام الشعري والعادي، لا يكاد يخرج عما أسماه (جان كوهن) إثر ذلك بالخرق الدلالي، والذي أدرجه ضمن أنماط الخرق التي تعتري اللغة الشعرية، ومنطلقه في ذلك كله أن الشعرية تتحدد بالمجاز. -17- وإذا كان المجاز ينبثق من سياق التركيب، فإنه ينصب على دلالة اللفظة المفردة فيحولها عما وضعت له، أي ينقلها من مستوى دلالي لآخر، وذلك ما يحصل في الشعر. ومن القضايا التي اشترك في إثارتها اللغويون قديما وحديثا، واعتبرها الشعريون المعاصرون من صميم مباحثهم قضية الدلالة الذاتية للصوت التي تنبثق عن تراكمها وتفاعلها داخل الكلمة دلالة مستقلة تساهم مع غيرها في تشكيل بنية التركيب. ولاشك أن ابن جني كان رائدا بمباحثه في هذا الميدان، حين جعل لكل صوت دلالة ذاتية تميزه عن غيره، وتتميز به الكلمة عن سواها.-18- وهو في هذا متأثر ?لا محالة- بتيار الطبيعيين اليونان الذين ذهبوا إلى أن الكلمة تعبر طبيعيا عن مدلولها. وهو ما يتنافى مع القول باعتباطية اللغة. وقد بلغ هذا التيار أوجه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث ادعى بعض الدارسين أن أصوات اسم الشخص تدل على ملامحه النفسية والجسدية، ولم يكف من غلواء هذا الاتجاه إلا مجيء البنيوية وقولها باعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول. غير أن القول بدلالة الصوت الذاتية ما لبث أن عاد إلى سالف أمجاده مع (الكراتيليين) الجدد والباحثين الغربيين في مجال الشعرية، ومن أبرزهم (كاترين كربرات أوريكسيوني) التي ذهبت إلى أن الخطاب الشعري يحاول ?بوعي أو بدونه- مقاومة الاعتباط وترديد الأصوات المناسبة للمضمون. -19- ولقد أعطت نظرية التلقي نفسا جديدا للمعجم الشعري بتركيزها على فاعلية القارئ، الذي لم يعد مع (بارت) مجرد مستهلك، بل تحول إلى منتج. ومن هذه الزاوية، ينظر (ريفاتير) للشعر انطلاقا مما سماه نهج (القارئ المثالي) ويقدمه باعتباره (قضية استجابة) من القارئ، ومن ثم فالكلمة الشعرية هي (الباعث) لهذه الاستجابة، التي لا يمكنها أن تتحقق إلا إذا أفسح لها القارئ المجال كي تتسرب إلى نفسه، وتتفاعل داخل سياقه الذهني.-2- إن معجم الشاعر مستمد من منجم اللغة، وكل كلمة فيه تجر وراءها تاريخا مديدا يعي الشاعر بعضه، ويخفى عنه البعض الآخر. ولكن هذا المختفي لا يتلاشى إطلاقا، بل يظل كالنار الكامنة خلف الرماد لا تلبث أن تتوهج إذا وجدت من يحركها وينفض الرماد عنها. كذلك الكلمة الشعرية تظل حبلى بكل شحناتها الدلالية، ويستقبلها المتلقي حسب معجمه الذي يختلف عن معجم الشاعر، فيسقط على الألفاظ دلالات ربما لم تخطر إطلاقا ببال الشاعر أثناء إبداعه للنص، وبهذا تتنوع الدلالات وتتضاعف، ويكتسب الشعر قيما جديدة على يد المتلقي، وتختلف هذه القيم من متلف لآخر، بل تختلف لدى المتلقي نفسه من لحظة لأخرى. وبهذا تصير الكلمة الشعرية إشارة حرة ذات أبعاد وإيحاءات وتداعيات لا صلة لها بالحياد والموضوعية كما هو الشأن بالنسبة للغة العلم مثلا. فالكلمة الشعرية إذن، كما وصفها أحد الدارسين (بذرة لزرع جديد ينبت في خيال القارئ). -21- وصفوة القول أن المعجم الشعري نال من العناية ما يستحق قديما وحديثا، ومع ذلك، فإنه لا يزال يثير بعض التساؤلات التي ترجع في عمقها وجوهرها إلى طبيعة النص الحربائية وخصائصه المستعصية عن الإدراك الدقيق، وإلى تداخل اللغة الشعرية مع اللغة الطبيعية. وإذا كان تناول أسلافنا العرب لمعجم الشعر قد ظل محدودا بشروطه التاريخية، وملابساته الثقافية، فإنه، بالرغم من ذلك، متسم بالأصالة، منطلق من طبيعة الشعر العربي وخصوصياته، معتمد على نماذجه، خلافا لما هو الشأن بالنسبة للدراسات النقدية المعاصرة عند العرب التي ?إن هي لم ترتد نحو التراث فلا مناص لها من الاتجاه نحو الغرب، حيث التنظير قائم على إبداعات لا تمت إلى طبيعة شعرنا العربي بصلة، ومع ذلك، فإن الإفادة من النقد الغربي المعاصر ممكنة ومشروعة فيما هو من قبيل خصائص الشعر المشتركة التي تطبع التجربة الإنسانية في كل زمان ومكان. ويبقى السؤال الجوهري مطروحا: هل تنفرد بعض الكلمات بخصائص شعرية تميزها عن غيرها؟ أم إنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى غير شعرية، وإنما هناك (تشعير) للكلمات كيفما كانت؟ إنه سؤال موجه للنقاد مهما اختلفت أجناسهم ومشاربهم.

    المصدر: عبد العزيز الحلوي نشر في طنجة الأدبية

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    إيداع ثلاثة أشخاص سجن أيت ملول بعد دهس شرطي في أكادير: تفاصيل الحادثة الصادمة

    1 نوفمبر، 2026

    مداهمة أمنية بمقهى في سلا تؤدي إلى حجز 36 نرجيلة وكميات من المعسل المهرب وتوقيف صاحب المقهى

    1 نوفمبر، 2026

    أكادير أوفلا تتزين بالزي الصحراوي.. والألعاب النارية تضيء سماء المدينة احتفالاً بعيد الوحدة المغربية

    1 نوفمبر، 2026

    «العدالة لعماد».. صدمة وحزن في المغرب بعد مقتل شاب بطعنة في إسبانيا والقضاء الإسباني يحبس المتهم الرئيسي

    1 نوفمبر، 2026

    أعيان وشيوخ ومنتخبو الداخلة يؤكدون دعمهم الكامل للملك في قضية الصحراء المغربية

    1 نوفمبر، 2026

    الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين تدعو إلى وحدة تحريرية منسقة للدفاع عن مصالح المغرب

    1 نوفمبر، 2026

    القناة الثانية دوزيم تحتفل بعيد الوحدة بأناشيد تراثية مغربية متميزة

    1 نوفمبر، 2026

    تفكيك مصنع سري لصنع «الماحيا» واعتقال المتهم الرئيسي بإقليم قلعة السراغنة

    1 نوفمبر، 2026

    زيارة وفد أمني رفيع لضابط الأمن المصاب في حادث دهس متعمد أثناء أداء واجبه بأكادير

    1 نوفمبر، 2026

    افتتاح مركز “مرجان” التجاري بالداخلة: خطوة بارزة نحو تعزيز الاستثمار والفاعلية التجارية في الأقاليم الجنوبية المغربية

    1 نوفمبر، 2026

    حافلات الدار البيضاء تحصل على خط جديد يربط أهم الأحياء بساحة الأمم المتحدة

    1 نوفمبر، 2026

    احتفالاً بالذكرى الأولى لعيد الوحدة.. العيون تستضيف الدورة الثامنة لمهرجان القصيدة البدوية الحسانية

    1 نوفمبر، 2026

    خبير إسباني: عدم تجديد مهمة بعثة «المينورسو» يعزز الدعم الدولي لمخطط الحكم الذاتي المغربي

    1 نوفمبر، 2026

    ندوة علمية بالمحمدية حول الوحدة الترابية للمغرب: تعزيز الهوية الوطنية

    1 نوفمبر، 2026

    إيقاف ثلاثة أشخاص بمراكش للاشتباه في ترويجهم للمخدرات والمواد المهلوسة

    1 نوفمبر، 2026

    البروفيسور رشيد شرقاب: هل دفع “طبيب الفقراء” ثمن مواجهة الفساد في مستشفى ابن رشد؟

    1 نوفمبر، 2026

    البروفيسور رشيد شرقاب.. هل تكبد «طبيب الفقراء» ثمن كشف الفساد في مستشفى ابن رشد؟

    1 نوفمبر، 2026

    علماء البحث الزراعي بأرفود يؤكدون فخر تمور المجهول المغربية بتفوقها على أنواع أمريكا والأردن

    1 نوفمبر، 2026

    كتاب جديد يكشف كيف يتم تعليم الأدب في المدارس المغربية

    1 نوفمبر، 2026

    موسم الزيتون بمولاي يعقوب يعد بالخير.. توقعات بهبوط أسعار “الذهب الأخضر” لأقل من 30 درهما للتر

    1 نوفمبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter