في افتتاحية التجديد ليوم 70/80/2002 حاول محررها أن يستدل على هشاشة الكيان الصهيوني وإيديولوجيته السياسية من خلال طرح سؤال من اليهودي؟ وإذا كانت مقصدية المقال نبيلة في أهدافها من حيث أنها تسعى إلى تعرية فكرة “الكيان الأسطوري” عن المجتمع الصهيوني التي نسجت حوله الدعاية قناعة، وجدت لها طريقا في وجدان الإنسان العربي، مفادها أن “إسرائيل” نموذج للحمة المذهبية وللتفوق واللديموقراطية… إذا كان هذا هو عمق المقال، فإن انتقاء الاستدلال المناسب على ما أعتقد قد خان صاحبه.
لقد ساق الكاتب أدلة أثبت فيها أن المجتمع الصهيوني لا توحده إلا الحروب، وأنه كلما توقف الفعل النضالي وسادت حالة لا حرب ولا سلم، إلا وتعالى خطاب الأزمة داخل المجتمع الصهيوني بدءا بسؤال الهوية: من اليهودي؟ نحن لا نشك في سلامة المقاصد، ولكن المنطوق غير المفهوم إن هذا الكلام يمكن أن يقرأ على أن تتويج للدعوة الرائجة في معسكر السلطة والأنظمة الداعي إلى “هجوم السلام” كاستراتيجية من شأنها تفعيل تناقضات المجتمع الصهيوني! فمنذ انعقاد دورة الجزائر للمجلس الوطني الفلسطيني سنة 1977 وهذا الصوت يطرح كورقة إيديولوجية للكفاح البديل عن البندقية ورقة تبرهن (مثلما يبرهن المقال!) بأن لا مجال لانهيار الإيديولوجية الصهيونية إلا عبر توريطها، في تناقضاتها الداخلية عن طريق السلام. مادامت الصهيونية في أصلها عدوان وتوسع، وهي من طبعها لا تتغذى إلا بالحرب الدائمة (ورقة محمود عباس). من المعلوم أن هذه الورقة أيضا هي التي فرخت مدريد ، وأسلو، وشرم الشيخ ومشروع الكيان بدون سيادة! ليس الهدف من هذا السطو الاستدلال على خطورة هذا الرأي على مستوى مصير القضية وإمكانية فنائها حضاريا، كما أن المجال في هذه الملاحظات لا يسمح للبرهنة على تهافت مقومات هذا الصوت المتهالك أمام الصهينة السياسية والنفسية. ما يهم هذا التعقيب هو التنبيه إلى معطيات مخالفة يتبناها أكثر من دارس، مفادها أن السلام مع الكيان الصهيوني هو الذي يوحده ويقويه، والانتفاض والمقاومة المستمرة تفككه، ويمكن الرجوع إلى الكتاب القيم “من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية” للدكتور عبد الوهاب المسيري لمطالعة الواقع الصهيوني المشرف على التفكك والانهيار بفعل الانتفاضة. وسأكتفي بنقل مشهد واحد يتعلق بالاختلاف حول الاستيطان يبرهن على ما سبق جاء في الكتاب ص 35 «في انتفاضة 1987 انطلق السخط على الاستيطان… فوصف رابين المستوطنين بأنهم يشكلون عبئا على المؤسسة العسكرية» وفي الصفحة 36 جاء: « مع اندلاع انتفاضة الأقصى… بدأت الصحف الإسرائيلية تتحدث عن المستوطنين… عن الاستيطان باعتباره ورما (هارتس 1/2/2002) والسرطان الذي يأكل المجتمع» وفي ص: 38 «قال عكيفا الدار (هارتس 4/2/2002 إن إعادة المستوطنين ستكون أقل ثمنا بالدماء والمال من إبقائهم في أماكنهم، وعندما سيتبين أن الطائفة التي ادعت حمل لواء الصهيونية الحديثة قد أفلست وغدت التهديد الأكبر على وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية». مصطفى أمزير
المصدر: التجديد نشر في التجديد

