(2) لقد كان من أول وأبرز نتائج النهج الرباني الذي ربى به منهاج الإسلام خاصة مكونات المجتمع الإيماني المسلم، وأعدهم به لدفع القهر عن عامة مكونات هذا المجتمع، أن عرف الفكر الإسلامي، عبر العصور، مفكرين علماء وقفوا للقهر بالمرصاد فجردوا، في وجهه، من أقلامهم، سيوفا لا تنبو، لأن قوتها مستمدة من ابتغاء مرضاة الله بالاستجابة لما حض عليه جل جلاله في قوله: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا) (النساء/ 75)، هذه الآية التي نجد في قول الله عز وجل: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) والقرآن يفسر بعضه بعضا، وخير مفسر للقرآن هو القرآن ما يوسع هدي إشعاعها حتى تشمل الحض على الجهاد بالكلمة الإيمانية في ساحة الجهاد الأكبر الذي يتسع معناه كذلك حتى يعني إصلاح المجتمع بعد إصلاح النفس. وبهذا المفهوم الذي ترحب به سعة رحمة الله يغدو الجهاد الأكبر بالكلمة المقروءة أو المسموعة في معنى الإصلاح الاجتماعي فرض عين على كل عالم عارف يخشى الله، و(إنما يخشى الله من عباده العلماء، وهو فرض تؤسسه منطوقا أو مفهوما، آيات قرآنية كثيرة، وتبينه، وتفصله وتؤكده أحدايث نبوية عديدة. وكل أمة، أو جماعة، أو أسرة، كان للقهر فيها طغيان على فرد، أو على مجموعة أفراد، منها، فهي في حكم القرية الظالم أهلها. وكل تجريد لقلم، أو صدع بكلمة، في ساحة الجهاد الأكبر، ضد القهر، هو قتال. في سبيل الله، دفاعا عن المقهورين، رجالا كانوا أو نساء أو ولدانا. وكل من أبلى، من العلماء، البلاء الحسن، في هذا النوع من الجهاد الأكبر، فهو مجاهد مهاجر إلى الإيمان، نصير للإسلام، له ثواب (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا) الواقعة/ 10. ومن المفكرين المسلمين، العلماء المصلحين، الذين قاتلوا القهر، بأن جردوا ضده من أقلامهم سيوفا مؤمنة عالمة ذكية، المفكر المصلح، العالم العلامة، الدراكة الفهامة، أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون واضع علم الاجتماع، أي علم العمران البشري؛ هذا المفكر الذي جاهد، عن علم ومقدرة بكلمة “لا للقهر” كما نقرأ ذلك، أو نستشفه من مثنايا السطور، في غير ما كتاب من كتبه. فمن ذلك ما كتبه من قوله: >.. ومن كان مرْباه بالعسف والقهر، من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة، فصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت فيه معاني الإنسانية التي له، من حيث الاجتماع والتمرن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عالة على غيره في ذلك، بل وكسلت نفسه عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلينما أكرمهن إلا كريم..فإن وفيتم فلكم الجنة… إذن فبيعة أفراد الأمة لرئيس الدولة أداء لمهمة سياسية يلزم بها الدين، بدءا من المبايعة التي تمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ومرورا بمبايعة سائر الخلفاء والحكام من بعده إلى يومنا هذا. وهذه المبايعة السياسية التي يأمر بها الدين يستوي في المطالبة والتكليف بها الرجال والنساء دون أي فرق.. ونظر إلى أن الأمة تتألف دائما من شطري الرجال والنساء، فإن حق الشورى مستقر بحكم الله وشريعته لهذين الشطرين.. واعتمادا على هذه الأدلة الثابتة، من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل صحابته، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الشورى تلتقي مع الفتوى في مناط واحد، فكل من جاز له أن يفتي ، ممن توافرت لديه شروط الفتوى، جاز به أن يشير، وجاز للإمام، وللقاضي، أن يستشيره ويأخذ برأيه. ومعلوم أن الذكورة ليست شرطا في صحة الفتوى، ولا في تبوء منصبها…؟ أما ابن جرير الطبري فقد ذهب إلى جواز إسناد وظيفة القضاء إلى المرأة مطلقا مستدلا بأن القضاء مثل الفتوى، ولما كان إسناد وظيفة الفتوى إلى المرأة جائزا بالاتفاق، اقتضى ذلك أن يكون إسناد القضاء إليها أيضا جائزا وأن يكون حكمها في شؤون القضاء نافذا، وقد نقل ابن حجر، في فتح الباري، عن بعض المالكية أنهم أطلقوا الحكم أيضا بجواز إسناد مهام القضاء إلى المرأة، أي في الجنايات وغيرها…< إن بيعة الرجال على ما وثقه القرآن الكريم من منطوق بيعة النساء ركيزة ثانية بعد ركيزة سبق للمرأة لاعتناق الإسلام من أعظم ركائز تكريم منهاج الإسلام للمرأة تكريما أخرجها به من ظلمات جهالة الكفر وقهره، إلى نور حضارة الإسلام وعزه. وفي هذا، أيضا ما يضيء، لمن يومن بالله فيهدي الله قلبه، نظرة إيمانية مثلى لقضية العصمة الزوجية كما أرادها منهاج الإسلام أن تكون في مجتمع (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (التوبة/ 71). يتبع محمد العمراني بنخلدون

المصدر: التجديد نشر في التجديد

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version