لعل هذا الشعار صار إيقونة «الثورات» العربية، صدحت به حناجز الثوار في تونس أول مرة، وبالضبط في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس ضد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، والصيغة كانت صريحة، قوية وحاسمة، «الشعب يريد إسقاط النظام»، ثم رُفع ثانية في ميدان التحرير بالقاهرة، رفعه المصريون هذه المرة ضد رئيسهم المخلوع حسني مبارك. ثم صار إيقونة كل الحراك الشعبي العربي من المحيط إلى المحيط.
كلمات الشعار قليلة، لكنها كبيرة المعنى، ثمة شعب أصبح في مواجهة نظام، تدفع الأول إرادته من أجل إسقاط الثاني، ثمة طرفين فقط، لكن ثمة حل واحد. المحتجون نسجوا على منوالهم واستقوا منه شعارات أخرى عميقة، على حسب أوضاعهم واستراتيجياتهم، في ليبيا رفعوا شعار لافتا «الشعب يريد علاج الزعيم»، أما في الأردن مثلا رفعوا «الشعب يريد إصلاح النظام»، وفي المغرب كان الشعار «الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد»، وفي فلسطين «الشعب يريد إنهاء الانقسام»، وفي اليمن «الشعب يريد مجلس انتقالي»، أما في ذكرى النكبة التي تظاهر لأجلها العرب والقلسطينيون على أربع جبهات فقد رفعوا شعار «الشعب يريد إنهاء الاحتلال». التحق المثقفون بالمسار، ومن الشعار اشتقت مجلة العربي شعارا لها «العربي تريد إصلاح العلوم»، ورفع التلاميذ في الثانويات والطلبة الشعار نفسه، لكن على طريقتهم، فكان «الشعب يريد إسقاط المدير والأستاذ». بل تجاوز تأثير الشعار وسحره على المواطن العربي إلى أن أصبح أغنية ونشيدا، فكتب «وائل السمري» كلمات أغنية بعنوان «الشعب يريد الحق في الحياة»، لحنها الموسيقار نصير شمّة، كما غنّت فرقة الوعد الإسلامي أغنية بعنوان «الشعب يريد إنهاء الاستسلام». أما آخرون فقد جعلوا منها نغمات ورنات لهواتفهم النقالة. للشعارات وظائف منها أنها تُعد مقياس بسيط يكشف من خلاله عن عمق العادات والتقاليد والتعبير عن المواقف والاتجاهات، كما أنها تمكن على المدى البعيد من الكشف عن ملامح التغييرات التي طرأت على هذه العادات، وتلك المواقف أو الاتجاهات في المجتمع. لأن الشعارات تعكس القيم المشتركة بين كاتب الشعار ومبدعه «المرسل» وبين المجتمع «المستقبل»، وهو الرأي العام، حيث يحرص المرسل على استغلال الفرص الثقافية المشتركة للتعبئة والتحشيد من أجل الغاية أو الهدف الذي يريد الوصول إليه. في دراسة للباحث المصري عادل عبد الصادق، حول «شعارات ثورة 25 ينارير» بمصر، خلص إلى أن مرجعية ومصادر الشعارات التي رفعها المصريون، تعكس العمق الديني والثقافي للمحتجين، الذين استفادوا من التراث الشعبي والغنائي العربي، بل ومن الأمثال والنكت والحِكم والأمثال الشعبية، وإلى طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة عبر التاريخ الخاص لكل مجتمع، كما عكست أخرى الواقع المعاش الذي عانى منه المواطن. ناهيك عن انتقال الشعارات بين الثورات العربية، ومنها الشعار الإيقونة «الشعب يريد..»، الذي انتقل من تونس إلى مصر، حسب الباحث دائما. أما آخرون فقد اندفعوا تحت تأثير اللحظة إلى دراسة الشعار لغويا ودلاليا، قالوا إن الشعب هي تلك الجموع التي ظلت ُمغيبة من قبل الحاكم لعقود، فصعدت إلى أعالي الجبل وامتهنت الخوف، فانعزلوا في وحل التخلف والفقر والأمية والفساد، وتركوا الحكام يعبثون بأقدارهم العاثرة. أما الفعل المضارع «يريد» ذو المصدر المُغيب، فهو مسكون بماضوية لازمته لعقود وقد يكون لعصور، أي منذ امتزجت في الذاكرة الحضارية صور طارق بن زياد ويوسف بن تاشفين وصلاح الدين الأيوبي بأخرى لعبد الكريم الخطابي وحسن البنا والأمير عبد القادر وادريس السنونسي وآخرون، ذلك الامتزاج الذي أصبح مجرد حنين في الوعي عمّق من جرحه وشقائه أمثال حسني مبارك وبن علي، وأمام ذلك انفجر الوضع مطالبا بالقطيعة والتغيير، فكان «الإسقاط» الذي يدفع إليه الكبت والظلم والتجويع والتجهيل الذي تسبب فيه النظام بسياساته وزبانيته.
المصدر: اسماعيل حمودي نشر في التجديد

