سيكون مفيدا الوقوف اليوم عند عنصرين مؤثرين في مسار النقاش الدستوري، يمثلان ألغاما في هذا المسار، ويصعب النجاح فيه بدون تدبير ديموقراطي لتحدياتها، حيث لا يقلان خطورة عن تحدي بناء وتعزيز الثقة في إرادة إنجاز تحول ديموقراطي للبلاد عبر مدخل المراجعة الدستورية الحالية، وبدون تحقيق ذلك فإن غياب الثقة ستشكل لغما مهددا لسيرورة التحول المنشود.
أما اللغم الثاني، فيهم العلاقة بين النخب الفاعلة، كل من موقعها، في الحراك الديموقراطي المغربي، وخاصة بعد بروز مخاطر إعادة إنتاج الصراع المفتعل بين الإسلام والديموقراطية تحت مسميات التعارض بين النص على إسلامية الدولة في الدستور وبين تبني مقتضيات الحداثة والدولة المدنية، وبروز التقاطب الهوياتي ذي الطبيعة التنافرية، بحيث ينتهي النقاش الدستوري الحالي ليخلف وراءه حالة شرخ في صفوف قطاع من النخب المغربية ذات الخلفية اليسارية أو الليبرالية في علاقتها بقطاع من الحركة الإسلامية. وعلى الرغم من أهمية استمرار الحوار حول هذه القضايا التي حسمت في الوثيقة الدستورية بشكل يحقق الدمج الإيجابي بين الإسلام والديموقراطية، فإن طريقة التباكي اليوم على عدم النجاح في إفشال هذا الدمج، والعمل على إبقائه معركة مفتعلة، يمثل لغما يهدد هو الآخر مسار التحول اليموقراطي . إن اللغم الهوياتي يفتح التطور الديموقراطي للبلاد على مسارين، إما التمكن من احتوائه والنجاح في تدبيره ديموقراطيا أو الفشل، وآنذاك تجد البلاد نفسها أمام دوامة التوتر، وهي الحالة التي شهدتها تركيا في عقد التسعينيات مع تجربة حزب الرفاه في الحكومة، حيث كان للورقة الهوياتية «العلمانية» دور في الانقلاب على التطور الديموقراطي وهدر عشر سنوات نتج عنها وضع تركيا في حالة شبه إفلاس اقتصادي وعجز خارجي وتفكك اجتماعي قبل أن تتم الاستفادة من الدرس مع مجيء حزب العدالة والتنمية في العقد الماضي. ويتعلق اللغم الثالث، بالموقف من الشعب ومخاطر السياسة المتبعة حاليا إزاء القوى المعارضة لمشروع الدستور وما قد ينتج عنها من غموض عند الرأي العام إزاء مشروع الدستور في ظل التعاطي الإعلامي لعدد من القنوات الفضائية الخارجية مع ذلك، وخاصة بعد ما لوحظ من افتعال للصدام العبثي في مواجهة شباب حركة 20 فبراير، واستمرار مثل هذا الصدام هو بمثابة لغم سيجعل الولادة الدستورية عسيرة ومشوشة، وهو ما يقتضي مراجعة الخيارات التي اعتمدت في الأحد الماضي. إن الحل يكمن في تقوية الإيمان بأن القضية هي قضية الشعب المغربي ، وتتجاوز أن تكون قضية هذه الجهة أو تلك، فالشعب هو الحكم، والإيمان بتعدد الرأي فيه هو أحد مداخل الإلتزام بروح الوثيقة الدستورية الجديدة ، وهو ما يقتضي التعايش مع الآراء المعارضة مهما كانت حدتها والاستفادة من الخبرة المصرية في التعديلات الدستورية الأخيرة التي عجزت فيها قوى شباب ائتلاف الثورة عن حشد المعارضة اللازمة لإسقاط التعديلات. إن قوة المشروع الدستوري تتحقق بالتقدم في احترام مقتضياته، والتي مهما كانت قوتها الديموقراطية في النص فإن السياسات الخاطئة على الأرض تحول هذه القوة إلى رماد، وهو الخطر الذي ما زلنا بعيدين عنه، لكن توالي الأخطاء سيسرع من خطر الوقوع فيه.
المصدر: مصطفى الخلفي نشر في التجديد

