تعتبر كتابات الأستاذ الدكتور أحمد الريسوني من االأدبيات الإسلامية النوعية والمتميزة، تميزا رياديا في المغرب. فهو واحد من الأوائل والقلائل الذين عُرفت بهم مباحث المقاصد الشرعية في الغرب الإسلامي الحديث، كالعلامة التونسي الطاهر بن عاشور والعلامة المغربي علال الفاسي رحمهما الله .
ومن خلال قراءتي لكتابات الدكتور الريسوني، وخصوصا الأصولية منها، التي يظهر أنه أفرغ فيها وسعا كافيا لتخرج متميزة ورائدة، أحسست أنني أمام ترجمة سلوكية، في البحث العلمي الرسالي، لوصية المفكر الإسلامي خالد محمد خالد التي يقول فيها: ((احمل روح الرواد.. وابحث عن الدروب غير المطروقة..واجعل مناط سعيك: ما لم يفعله من قبل أحد..!!)). فالأستاذ من هذه الطينة. يحمل روح الرواد وتحمله، ولا ترضى له أن يكون ظلا لمتقدم أو تكرارا باهتا لسابق، ينتهي تكراره بالناس إلى الملالة والسآمة. فالأصل عنده في الدراسة والبحث لا بد أن يكون الإنتاجُ فيهما قائما على (قاعدة) تحري الجديد المفيد حسب تعبيره في كتابه -الشورى في معركة البناء-. والجديد المفيد عنده: هو إما قضايا جديدة، أو زوايا جديدة، أو خبايا جديدة. وما سوى هذه الأصناف الثلاثة، لا أعرض له، إلا على سبيل التذكير الموجز، أو للبناء عليه والعبور منه إلى غيره، أو لأجل ما يحتاجه من استدراك أو تصحيح أو توضيح… ومن عجيب المفارقات في جديد الدكتور الريسوني أنه من النوع الذي ينبع ولا يتفجر، ويسير هادئا ولا يجري لاهثا.. يُتلقى بالقبول من جمهور المعنيين بخلاف ما هو معهود من مواقف الناس اتجاه كل جديد غير مألوف لديهم، يتشككون فيه ويترددون وقد يرفضون ولا يلتفتون. ولهذا أستطيع الادعاء بأن جديد الدكتور، في الغالب، تُدْرِكُ جدته وفرادته ولا تحس بأنه شاذ أو غريب.. فكأني بروح الدكتور الهادئة الوادعة، كما عرف عنه، تطل علينا بطبيعتها وسمتها وتتجلى في طريقة عرضها لتحفها الجديدة ، بأسلوب بياني سهل وبديع في مجاله العلمي.. ومع هذا فإن جديد الدكتور ليس معصوما من الخطأ، بل هو ككل جديد يُنتجه العقل البشري، تسبق إليه سنة النقص وعدم الكمال، وتترك نصيبا منه لغيره.. وكما أنه أضاف جديدا لما سبقه ففيه من النقص والخطأ، ما يسمح لمن بعده بإضافات جديدة تسند سابقها بالتصحيح والتقويم، وقد تنسخه بالتجاوز والتبديل والتغيير. ولهذا فإني سأقف بالقارئ الكريم عند بعض القضايا التي أحسب، أن الدكتور الفاضل، جانبه في بعضها الصواب الأصولي والفكري، وتوقف عند بعضها على حافة تكاملها التنظيري ولم يسر بها إلى غايتها التي يشير إليها سياق بحثه. سأقف عند أربع مسائل منها، وهي: المسألة الأولى: وهي طرحه الجريء حول القاعدة الأصولية الشهيرة: ”درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”. والذي عرضه في مقالين بعنوانين متعاضدين: الأول: جلب المصالح ودرء المفاسد .. الأصل والفرع؟ والثاني: إنجاز البدائل مقدم على مقاومة الرذائل. حاول إثبات أن العكس هو الصحيح، أي: جلب المصالح مقدم على درء المفاسد، ظنا منه كما يستفاد من ظاهر كلامه أن هناك تعارضا بين قاعدة الدرء وقاعدة الجلب، وأن أهل العلم يقدمون قاعدة الدرء عند كل تعارض بين مفسدة ومصلحة، وهذا ليس صحيحا.. وأنا لا أناقشه في تحديد القاعدة الأصل من القاعدة الفرع، وإنما أحاول تفصيل الأمر وتوضيح أن هذه القاعدة لا تعارض بينها وبين أختها، وهي مقدمة على غيرها في مقامها، وهي أصل فيه. وهي بريئة مما ألصق بها من كونها سببا في جمود الفكر وكبح روح المبادرة والمخاطرة في طلب الجديد.. المسألة الثانية: وهي عند بحثه القيم حول الحكمة السياسية الميكيافلية: (الغاية تبرر الوسيلة) من كتابه (نظرية التقريب والتغليب).. فبعدما اقتحم عقبة الموقف العاطفي السلبي لجمهور المسلمين من هذه الحكمة، واستعان على اقتحامه بالاستدلال الأصولي المقاصدي، وأظهر أنها غير مدفوعة ولا مردودة مطلقا. وإنما هي مرفوضة من وجه، ومقبولة من وجه آخر لكن بشروط وضوابط. وانتهى إلى نتيجة مخالفة للقناعات التي كانت غالبة على الفكر الحركي الإسلامي زمن إعداده لأطروحته الدكتوراه.. القناعات التي ترفض مقولة -الغاية تبرر الوسيلة-، واعتبارها مخالفة للقيم الأخلاقية التي تقوم عليها المسلكية الإيمانية في جميع مجالات الحياة. المسألة الثالثة: هي تقريره أنه قد يوجد في أوامر الشريعة ما يكون مستحبا للرسول صلى الله عليه وسلم واجبا على أمته. فهو اعتبر أن حكم الشورى الوجوب، ومن جملة ما استدل به على وجوبها قوله: فأمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالمشاورة، حتى لو فرضناه على الندب، كما في بعض الآراء، لكان في حق غيره على الوجوب، ولو كان في حقه على الوجوب، وهو الصحيح، لكان في حق غيره أوجب وألزم… وقد طلبت من الأستاذ الفاضل، في لقاء عابر، أن يضرب لي مثلا واضحا من السنة النبوية الشريفة على هذا النوع من الأحكام فعسر عليه استحضاره. كما عسر على غيره من أهل البحث في العلم الشرعي ممن أعرفهم وأثق في جدية مطالعاتهم و بحوثهم، بعدما استفسرتهم في المسألة.. المسألة الرابعة: عبارة عن استدراك على كتابه (الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية). أحسب أن كليات الدكتور غفلت عن كلية هي الأساس النظري الجامع لباقي الكليات. وغياب هذه الكلية جعل باقي الكليات يفقدن النسق الناظم لها جميعا، الذي لايغني عنه شيئا الترتيب الذي سيقت حسبه الكليات في الكتاب، (العقدية/ المقاصدية/ الأخلاقية/ التشريعية)..
المصدر: التجديد نشر في التجديد

