يركز المفكرون الاسلاميون حين تناولهم لمفهوم المواطنة على قضية وضع المسلمين في المجتمع الاسلامي وكذا الحقوق والواجبات، وتتنوع الاجتهادات داخل الخطاب الإسلامي حول قضية غير المسلمين في المجتمع الاسلامي وينطلق هؤلاء من تأكيد حقوق غير المسلمين استنادا للتراث الإسلامي والمتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن أبرز المجتهدين قي الموضوع الدكتور يوسف القرضاوي الذي له إسهامات كثيرة في هذا المجال، ضمنها في كتابه ”غير المسلمين في المجتمع الإسلامي”، ويرى القرضاوي أبدية عقد الذمة، لكنه يفسح المجال لهذه الصيغة أن تستوعب قدرا كبيرا من أبعاد المواطنة بمفهومها الحديث وتحقيق أكبر قدر من المساواة لغير المسلمين، ويؤكد على أن هذه الذمة تعطي أهلها ”من غير المسلمين” ما يشبه في عصرنا ”الجنسية” السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم. لكن القرضاوي دعا بعد ذلك إلى استبدال مسمى ”مواطنين” بمصطلح ”أهل الذمة” الذي أطلقه الفقهاء على النصارى. وعلل دعوته بأن ”الفقهاء المسلمين جميعا قالوا: إن أهل الذمة من أهل دار الإسلام، ومعنى ذلك بالتعبير الحديث أنهم: (مواطنون)، فلماذا لا نتنازل عن هذه الكلمة (أهل الذمة) التي تسوءهم، ونقول: هم (مواطنون)”. وذكر بأن ”سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه تنازل عما هو أهم من كلمة الذمة، حيث تنازل عن كلمة (الجزية) المذكورة في القرآن، حينما جاءه عرب بني تغلب، وقالوا له: نحن قوم عرب نأنف من كلمة الجزية، فخذ منا ما تأخذ باسم الصدقة ولو مضاعفة، فنحن مستعدون . ويحدد القرضاوي حقوق غير المسلمين في كل من: حق الحماية من الاعتداء الخارجي والظلم الداخلي، حماية الدماء والأبدان، حماية الأموال، حماية الأعراض، والتأمين عند العجز والشيخوخة والفقر، حرية التدين، حرية العمل والكسب بالتعاقد مع غيرهم أو العمل لحساب أنفسهم أو مزاولة ما يختارونه من مهن حرة، ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادي شأنهم في ذلك شأن المسلمين.
”أهل الذمة” ليس من الألفاظ الملزمة الشيخ راشد الغنوشي يعتبر المواطنة من المفاهيم الأساسية في الفكر السياسي الحديث، ويؤكد أن ارتباط فكرة المواطنة بالفكر الغربي والعلمانية لا يحمل أي دلالة لزومية وإنما مجرد حدث غربي حيث اعتاد هذا الغرب في بحثه للظواهر الاجتماعية ان ينطلق من مسلمة مركزيته الكونية، في حين ان اهل الديانات واعراق مختلفة تمتعوا في السياق الاسلامي بحقوق المواطنة أو بكثير منها في ظل حكومات إسلامية عبر تاريخ الإسلام، بدءا بدولة المدينة التي تأسست على دستور مكتوب اعترف بحقوق المواطنة لجميع المكونات الدينية والعرقية للسكان باعتبارهم” أمة من دون الناس” حسب تعبير دستور المدينة المعروف باسم ”الصحيفة” (سيرة ابن هشام) حيث نصت على أن ”اليهود أمة والمسلمين أمة” (أي أمة العقيدة) وأن ”المسلمين واليهود أمة” (هي أمة السياسة أو المواطنة) بالتعبير الحديث أي شركاء في نظام سياسي واحد يخولهم حقوقا متساوية باعتبارهم أهل كتاب وأهل ذمة أي مواطنين حاملين لجنسية الدولة المسلمة من غير المسلمين. كما تمتع سكان المدينة من غير المسلمين بحقوق المواطنة ومنها حماية الدولة لهم، مقابل أدائهم واجباتهم في الدفاع عنها، ويشير الغنوشي إلى أنه على الرغم من أن مفهوم الذمة شابته شوائب استغلت في تشويهه إلا أنه يظل معلما بارزا من معالم السماحة والتحضر في حضارة الإسلام التي تأسست على مبدأ ”لا إكراه في الدين” (البقرة-256) وأيضا ”لكم دينكم ولي دين” (الكافرون-6). ويتفق الغنوشي مع رأي القرضاوي في إمكانية الاستعاضة عن مفهوم ”أهل الذمة” بمصطح آخر مثل مفهوم المواطنة على اعتبار ان لفظة ”أهل الذمة” ليس من ألفاظ الشريعة الملزمة، وفي حال غدا يلقي ظلالا من التحقير على جزء من مواطني الدولة غير المسلمين فيمكن الاستعاضة عنه بأي مفهوم آخر تجنّبا للبس، مادام يحقق المبدأ الإسلامي في المساواة بين المواطنين، وذلك على قاعدة ”لهم ما لنا وعليهم ما علينا”. ويؤكد الغنوشي على قدرات الإسلام التنموية على صعيد تأصيل فكرة المواطنة في ثقافتنا والديمقراطية والمجتمع المدني، مشددا على أن السلم هو الأصل في العلاقة مع غير المسلم، وأن الجهاد لم يجعل أداة للدعوة إلى الإسلام أو لفرضه على مخالفيه أو لاستئصال الكفر من العالم، فكل ذلك مباين لنصوص وروح ومقاصد شريعة جاءت لتعلي من حريات الإنسان وتحيله بعد إقامة الحجة عليه مسؤولية مصيره ”ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة” (الأنفال-24) و”لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل” (النساء-561) وإنما هو سبيل لدفع العدوان وإتاحة حرية الاختيار والعبادة للناس آمنين من كل فتنة وإكراه وحسابهم على الله. المواطنة اقترنت بظهور الإسلام المفكر الاسلامي الدكتور محمد عمارة يعرف المواطنة بكون تفاعل بين الإنسان المواطن وبين الوطن الذي ينتمي إليه، وهي علاقة تفاعل لكونها تقوم على مبدأ الحقوق والواجبات، ومن هذه الواجبات التي تتحقق بها صفات المواطنة ان يكون الولاء كاملا للوطن وان يحترم هويته ويؤمن بها وبدافع عن كل عناصرها من ثوابت اللغة والتاريخ والقيم واليداب العامة والأرض، اما الحقوق التي يتحصل عيها المواطن بموجب هذه العملية التفاعلية فاهمها المساواة في تكافؤ الفرص وانتفاء التمييز في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية بسبب اللون أو الطبقة أو الاعتقاد، مع تحقيق التكافل الاجتماعي الذي يجعل الأمة سدا واحدا والشعب كيانا مترابطا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر أعضاء الجسد الواحد بالتكافل والتضامن والتساند والإنقاذ ويؤكد عمارة أن المواطنة الكاملة – والمساواة في الحقوق والواجبات- قد اقترنت بظهور الإسلام، وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى – في المدينة المنورة سنة 1 هجريا وسنة 622 ميلاديا- على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وتحت قيادته. ويشير إلى أن الإنسان – في الرؤية الإسلامية- هو مطلق الإنسان… والتكريم الإلهي هو لجميع بني ادم ” ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” (الإسراء 70) والخطاب القرآني موجه – أساسا- إلى عموم الناس.. ومعايير التفاضل بين الناس هي ”التقوى”، المفتوحة أبوابها أمام الجميع ” إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات : 13) – بل لقد جعل الإسلام ”الآخر الديني” جزءا من الذات وذلك عندما أعلن أن دين الله- على امتداد تاريخ النبوات والرسالات – هو دين واحد، وأن التنوع في الشرائع الدينية بين أمم الرسالات إنما هو تنوع في إطار وحدة هذا الدين”لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَة ومِنْهَاجاً ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً” (المائدة 48). ولقد وضعت الدولة الإسلامية فلسفة المواطنة هذه في الممارسة والتطبيق، وفندتها في المواثيق والعهود الدستورية منذ اللحظة الأولى لقيام هذه الدولة في السنة الأولى للهجرة.. ففي أول دستور لهذه الدولة أسس على التعددية الدينية، وعلى المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين المتعددين في الدين والمتحدين في الأمة والمواطنة.. فنص هذا الدستور – صحيفة دولة المدينة – على أن ”اليهود أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأن لهم النصر والأسوة مع البر من أهل هذه الصحيفة.. ينفقون مع المواطنين ما داموا محاربين.. على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.. من بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم… وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من اشتجار ويخاف فساده فمرجعه إلى الله وإلى رسول الله”…
المصدر: التجديد نشر في التجديد

