كيف تقيمون الاستراتيجيات التي أطلقتها منذ 2004 وزارة السكنى والتعمير وماهي الحصيلة الأولية في مجال السكن الاجتماعي؟
يسجل في البداية أن هناك هدر للمال العام بخصوص ورش ما يسمى بالسكن الاجتماعي.كما نستحضر في هذا السياق حجم الإعفاءات الضريبية التي يستفيد منها برنامج السكن الاجتماعي، ثم إذا أضفنا إليها العقارات العمومية الموضوعة رهن إشارة البرنامج 3875 هكتار حسب الأرقام الرسمية. هذا العقار العمومي الذي تم تمريره لفائدة مؤسسة العمران، وتتحكم فيه بالطريقة التي تريد. وإذا عمدنا مثلا على تسعير هذا الحجم من أراضي الملك العام المخصصة لهذا البرنامج فأكيد أننا سنحصل على أرقام فلكية. يضاف إلى ذلك كله الاعتمادات المخصصة لصندوق التضامن للسكنى المقدر سنويا ب 5,1 مليار درهم أي أنه منذ بداية تدخلات الصندوق وصلت المبالغ المرصودة لصالحه 5,9 مليار درهم.إذن بعملية حسابية بسيطة يمكن القول أن حجم الأموال الموضوعة رهن إشارة مؤسسة العمران من أجل إطلاق وإنجاح أوراش السكن الاجتماعي بلغت 25 مليار درهم. لكن ماهي النتيجة؟ الكل يعرفها من خلال استمرار الاختلالات، وصعوبة حصول المواطنين على السكن الاجتماعي، وازدياد حدة واتساع حجم دور الصفيح. في سنة 2004 قدم وزير السكنى والتعميربرنامجا طموحا قيل فيه أنه في غضون 2010 سيتم القضاء على دور الصفيح التي قدرها آنذاك ب 210 ألف وحدة، مع جعل 81 مدينة تنتشر فيها الظاهرة مدنا بدون صفيح. لكن بعد انقضاء الفترة المحددة ما الذي تحقق؟ وماهي نتائج تلك التعاقدات التي أبرمتها الوزارة مع الجماعات المحلية ومع ولاة الأقاليم والعمالات من أجل تنفيذ مشروع مدن بدون صفيح ورفع العراقيل أمام السكن الاجتماعي؟ الأرقام الرسمية ذاتها تقول أنه في سنة 2010 بلغت عدد دور الصفيح 327 ألف وحدة. ماذا يعني هذا؟ نستنج أن عدد دور الصفيح عوض القضاء عليها نهائيا ازدادت 117 ألف وحدة خلال الفترة 2010/2006 وهنا نتسائل أين ذهبت 25 مليار درهم المرصودة للسكن الاجتماعي؟ ما هي أهم وجوه قصور برامج السكن الاجتماعي وهل هناك أمثلة ملموسة حول سياقات هدر المال العام في أمور غير توفير السكن اللائق للمغاربة؟ أعتبر العقار بترول المغرب. وهنا لابد من التذكير بأن هناك عراقيل كبرى تضع في طريق مراقبة ومسائلة ما يجري في مجال السكن والعقار. وأعطي ثلاثة أمثلة على ذلك: أولا، قبل سنتين حصلت تحركات في مجلس النواب، وقلنا آنذاك بأن مدينة العيون تعيش مشاكل مرتبطة أساسا بالسكن وطرق توزيع البقع الأرضية. وأكدنا بأن عملية توزيع البقع شابتها خروقات كبيرة، بدوافع الاغتناء غير المشروع، وأيضا وفق حسابات سياسية ضيقة لبعض الأطراف. وطالبنا بإنشاء لجنة تقصي الحقائق للوقوف على كل الخروقات التي شابت العملية. وبالتالي محاسبة كل المتورطين في الملف. لكن فوجئنا آنذاك بأن كل العراقيل وضعت أمام المؤسسة التشريعية لكي لا تخرج تلك اللجنة إلى الوجود. المثال الثاني يتعلق بالمدينة الجديدة تامسنا ، لقد واجهت اللجنة الاستطلاعية البرلمانية عراقيل كبرى لكي لا تقوم بمهمتها المتمثلة في النظر في حقيقة ماجرى في تامسنا . وأقول أنه تم الضغط على عدد من البرلمانيين وتمت محاولات لمساومة البعض. والهدف السكوت عن بعض الخروقات التي ارتكبت في المدينة الجديدة . وأشير أيضا إلى تقرير المهمة الذي أصدره المجلس الأعلى للحسابات سنة 2007 . لكن هناك شخص يشغل مهمة رئيسية في المجلس، وكان يشغل سابقا مديرا في وزارة الإسكان أقبر التقرير ومازال لحد الآن ذلك التقرير لم يصدر للعلن. المثال الثالث يتمثل في أن المفتشية العامة التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، التي تعتبر أحد أضلاع المراقبة والمسائلة المالية العمومية، قامت بمهمة لمراقبة العقار العمومي. لكن هذه المهمة اعترضت طريقها عراقيل كبرى لكي لا تصل إلى أهدافها، بل الأمر وصل إلى حد بعث رسالة إلى الوزير الأول قصد توقيف هذا البرنامج. فمن المستفيد من هاته العرقلة؟ وماذا عن المدن الحديدة كتامسنا مثلا؟ وهل وفرت هذه المدن الجديدة فضاءات لتوسيع هوامش السكن الاجتماعي؟ بخصوص المدينة الجديدة تامسنا يمكن القول بداية أن هناك خرق قانوني في إنشاء هذه المدينة والمدن الجديدة الأخرى. فكيف يعقل، على خلاف كل دول العالم، أن يتم بناء آلاف الهكتارات بقانون التوسعة. ثم إنه لو لم يتم عرقلة مسار المهمة الاستطلاعية لخرجت بخلاصات لصالح المغرب. أقول حين خرجنا في مهمة استطلاعية برلمانية إلى تامسنا وقفنا على عدد من الخروقات. أذكر على سبيل المثال أن مجموعة الضحى المختصة في السكن منحت لها بمحاذاة مدينة تامسنا ، التي استثمرت الدولة اعتمادا على الميزانية العامة أموالا ضخمة في البنية التحتية من طرق وغيرها، حوالي 70هكتار . كما تم منح عدد من الامتيازات لبعض أصحاب النفوذ. كما وقفنا عند غياب المرافق الضرورية لحياة الساكنة. بالمقابل لم يتم الوفاء بالتعهدات المتعلقة بتوفير السكن الاجتماعي ذات التكلفة 140 ألف درهم و200 ألف درهم. نستحضر أيضا في هذا السياق دور الوكالات الحضرية. وأقول بأن أهم دور تقوم به تلك الوكالات حاليا هو وظيفة تمرير أراضي العقار العمومي إلى مؤسسة العمران. أي أن دورها يتمثل في ”المحلل” بلغة أهل العقود الشرعية. فإذا استحضرنا أن الوكالات الحضرية، التي أناط بها القانون دور دعم الجماعات المحلية، تعد مؤسسة عمومية، وكون العمران مؤسسة مجهولة الاسم ولا يمكنها الاستحواذ مباشرة على العقار العمومي. فإن الوكالات الحضرية تقوم بهذا الدور، أي أن هاته الأخيرة تستحوذ على أراضي الكيش والجماعات السلالية وعقار الجماعات المحلية وأراضي الدولة لتقوم بتحويلها إلى مؤسسة العمران التي تتصرف في تلك الأراضي بعد ذلك كما تشاء. تم تأسيس صندوق التضامن للسكني لأغراض دعم مسار السكن الاجتماعي. فهل ساهم هذا الصندوق فعليا في هذا المجهود؟ صندوق التضامن للسكنى يشار إلى أن القانون المحدث لهذا الصندوق قد حصر أوجه المداخيل، وأيضا أوجه صرف تلك المداخل المحددة أساسا في تشجيع السكن الاجتماعي ومحاربة مدن الصفيح وتأهيل الدور العتيقة. لكن الواقع أن بعض مصاريف هذا الصندوق لا علاقة لها البتة بتلك الأغراض. بل هناك معطيات تؤكد بأنه تمت تأدية بعض ضرائب مؤسسة العمران انطلاقا من هذا الصندوق( 40 مليار) وأقول أيضا أن بعض مصاريف الصندوق تستغل في أمور سياسية انتخابية لا علاقة لها بما ينص عليها القانون. من جهة أخرى، وهذا ناتج عن الهدر للمال العام، يجب التأكيد على أن عددا من مشاريع السكن الاجتماعي التي أعطى انطلاقاتها جلالة الملك في مختلف المدن متوقفة أو مهددة بالجمود. وذلك نتيجة العجز وغياب السيولة النقدية، ونتيجة سوء التدبير والحكامة السيئة، وهدر للمال العام. وأتمنى أن لا يتكرر ما وقع في مدينة وارزازات. وللتوضيح فإنه في سنة 2005 دشن جلالة الملك مشروعا لنواة جامعية بالمدينة ، لكن سيتبين فيما بعد أن الهكتارات المخصصة لمشروع المؤسسة الجامعية تحولت إلى تجزئات سكنية. الكثير من المشاريع المرتبطة بالسكن الاجتماعي توقفت أو في طريقعا للتوقف، لأن أموال صندوق التضامن للسكنى استغلت في كثير من المواقع والمحطات لأغراض سياسية عابرة للأحزاب. لا أقول أن الأمر خاص بحزب واحد بل الأمر يتعداه إلى عدد من الأحزاب السياسية التي أنعشت ميزانياتها انطلاقا من صندوق خاص بتشجيع السكن الاجتماعي.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

