المتابع للنقاش السياسي والإعلامي المثار اليوم في المغرب يلحظ حالة مفرطة من العدائية والتحريض، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمواقف من قضايا المهرجانات والفن، حيث ترفع وبكل سهولة شعارات التطرف وتستل سيوف الاتهام بمعاداة الفن، بل والذهاب إلى حد قيام إحدى صحف التحريض بتأويل انتقاد استضافة المغني البريطاني إلتون جون في مهرجان موازين بكون أن هذا الهجوم على موازين هو هجوم على من يقفون وراء موازين وما يمثله كمهرجان موازين، وهو ما يكشف عن العجز الكبير عن خوض النقاس ومقارعة الحجة بالحجة حول القواعد الضابطة للعمل الفني ومنها عدم المس بالأديان أو بحرمة الأنبياء، ويكشف أيضا عن تحريف النقاش بمثل تلك الأسئلة البئيسة والمغرضة والمنتجة للتطرف الحقيقي في المجتمع، فضلا عن ما تكشفه من هروب مفضوح من الجواب عن الموقف من إساءة هذا الفنان لنبي الله عيسى عليه السلام ووصفه بالشذوذ في تصريحات للمجلة الأمريكية باراد ونشرت يوم 19 فبراير 2010 ثم تناقلتها وسائل الإعلام السمعية والبصرية مثل سكاي نيوز وغيرها.
لكن الأخطر فيما يدور حول القضية هو ما عبر عنه مدير المهرجان عزيز داكي، في تصريحات صحفية قائلا لا يسعنا التخلي عن اقامة حفل غنائي لأحد الفنانين على خلفية مثليته ، لأن ذلك يجعلنا ننتهك الحرية الشخصية ويؤدي الى زعزعة بعض القيم التي يقوم عليها مهرجان موازين الدولي، وهذه القيم هي قيم الانفتاح على الثقافات الأخرى والتسامح واحترام الحق في الاختلاف.. فماذا يعني هذا التصريح؟ أولا، باسم شعار التسامح يراد منا التغاضي عما صدر عن هذا الفنان من إساءة بالغة لنبي من أنبياء الله والتسامح معه، وهو أمر يتعارض مع المرجعية الإسلامية للمغرب والتي تعتبر الإساءة لأي نبي أمر مرفوضا لا يمكن القبول به، كما يعتبر الشذوذ الجنسي العلني فعلا مجرما ويعتبر وصف شخص به بمثابة قذف له، فضلا عن مرجعية حقوق الإنسان العالمية التي تحظر مثل هذه المواقف المسيئة للأديان، وإلا بهذا المنطق كان علينا قبول الرسوم الكاركاتورية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم تحت دعوى الفن والإبداع. ثانيا، حجة الحياة الشخصية للإنسان تبرير مغلوط، فالموضوع لا يتعلق لا بالحياة الشخصية ولا بالفن والإبداع، فالمواقف الصادرة عن هذا الفنان مواقف علنية وليست مواقف تصدر عنه في حياته الشخصية، كما لا يتردد عن التعبير عنها في مختلف وسائل الإعلام، ونذكر عسى أن تنفع الذكرى، أن إلتون جون، قبل حوالي ست سنوات، صرح في الملحق الموسيقي الشهري للغارديان (12 نونبر2006) أنه يجب حظر الأديان بسبب عدم تسامحها وعدائها تجاه أصحاب الميول الجنسية المثلية، أي أنه بالرغم من موقعه كفنان لجأ إلى تبني اختيار الدعوة إلى المنع والحظر في مواجهة الأديان، لكن عندما يطالب بمنعه لإساءة لدين من الأديان فالأمر يصبح حربا على الإبداع وحياة شخصية. لقد تطور النقاش الإعلامي والسياسي في الموضوع، وكشف أولا عجز البعض عن استيعاب العلاقة بين الدفاع عن نظام القيم في المغرب وبين مكافحة الفساد، والتوزيع العادل للثروة ومواجهة معضلات التخلف والأمية والصحة والسكن، فضلا عن القصور عن متابعة ما يتم القيام به في هذه المجالات يفسر إلى حد كبير السقوط الفج في سجن الخطاب التحريضي الذي دعا قبل مدة إلى الانقلاب على سياسة دمج الإسلاميين وتقليد ما فعلت مصر ثم عاد عندما منعت نقابة الموسيقيين المصريين إلتون جون من الغناء بمصر بسبب إساءته للنبي عيسى عليه السلام إلى القول بأن المغرب العظيم ليس في حاجة إلى تقليد مصر، ناسيا أن المغرب أصبح عظيما مستقلا عن غيره قبل حوالي اثني عشر قرنا عندما رفع راية الدافع عن الإسلام وعن قيمه ومبادئه، وعند حصول العكس فإن المغرب يتراجع إلى الخلف ودروس التاريخ شاهدة.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

