ثمة جدل وازن في الساحة الأمريكية حول ثلاثية التنصير والصحراء وحقوق الإنسان، والتي اشتد الربط بينها بعد التطورات الأخيرة التي عرفتها قضية أمينتو حيدار وبعد ترحيل مجموعة من المنصرين الأمريكيين، وهو جدل يقتضي تطوير استراتيجية جديدة في التعامل مع الموقف الأمريكي واستيعاب المتغيرات القائمة فيه، والتي كانت من بين خلاصات زيارة أخيرة للولايات المتحدة .
أولى هذه المتغيرات أن الخطاب الأمريكي الرسمي في مجلس الأمن تراجع عن تشكيل سند حقيقي للمقترح المغربي القائم على مشروع حكم ذاتي موسع، إذ لم يعد هذا الأمر من ضمن مفرداته، كما وقع في سنة 2007 عندما تقدم المغرب بالمشروع ووصفته الإدارة الأمريكية بالجدية والمصداقية، وهو تراجع يفسر الدور المحدود لصدور رسائل عن كل من مجلسي النواب ومجلس الشيوخ التي تدعم المقترح المغربي، فالرسالة الأخيرة التي وقعها 54 عضوا بمجلس الشيوخ في مارس الماضي لم تدفع الإدارة إلى أن تعبر عن موقف صريح أثناء تفسير تصويتها في مجلس الأمن الجمعة الماضية من المقترح، وعوضا عن ذلك أخذ التركيز في هذا الخطاب يتصاعد على قضية حقوق الإنسان، فحسب تفسير التصويت الذي صدر عن السفير برووك أندرسون الذي يشغل موقع الممثل البديل للشؤون السياسية الخاصة بمجلس الأمن، إذ خصها بفقرة مطولة بعد التعرض لكل من التفاوض بدون شروط حول حل مقبول لنزاع يعيق التعاون الجهوي حول القضايا الصاعدة والمستعجلة في شمال إفريقيا، ثم التعرض لقضية اللاجئين في المخيمات، وذلك بلغة محكومة بحياد شديد. نعم ثمة اختلاف بين مجلس الشيوخ وخطاب الإدارة الأمريكية في هذه النقطة، لأن هذه الأخيرة تحرص على تقديم خطابها بشكل متوازن يضع المغرب والبوليساريو في نفس الكفة، وذلك على خلاف التوصية التي تصدر عن لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ، وذلك منذ ميزانية 2007 للعمليات الخارجية وإلى غاية ميزانية,2009 والتي تركز على موضوع حقوق الإنسان عند المغرب فقط دون أدنى إشارة لما يقع في المخيمات، وتطالب وزيرة الخارجية بتقديم تقرير للمجلس يفصل الخطوات التي قطعها المغرب لحل المشكل الحقوقي، والأكثر من ذلك فقد وضعت في إحدى السنوات شرطا يرهن ذلك بجزء من المساعدة العسكرية. من الجيد أن نتوقف هنا عند القصور المغربي عن استثمار تقرير رسمي لهيومن رايت وتش يفصل في عدد من الانتهاك بالمخيمات، وكان من المفروض أن يشكل مرجعا للمطالبة بتعامل متوازن على الأقل. ثاني هذه المتغيرات هو التحكم القوي لأنصار أطروحة البوليساريو في كل من اللجنتين الفرعيتين لإفريقيا في مجلسي النواب والشيوخ، بالإضافة إلى لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ، إذ توجد رئاستهما بين يدي مناصرين قويين للأطروحة المعادية للمغرب، وأحدهما السيناتور فاينغولد قام وأصدر بيانا قويا في قضية أمينتو حيدار، وهو تحكم يشل فعالية الاتصالات المغربية بأعضاء المجلسين، ويحول دون تحويل الرسائل الداعمة للمغرب إلى مقررات تشريعية ذات أثر على السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية . أما المتغير الثالث، فيرتبط بالتحركات الصادرة عن عضو الكونغريس الجمهوري فرانك وولف، والذي يمثل الدائرة العاشرة بولاية فيرجينيا ذات الكثافة المغربية، وبالرغم من ذلك يعد من أنصار البوليساريو ويحتل موقعا وازنا في بنية الكونغريس، إذ يحتل عضوية لجنة المخصصات المالية، ويشغل نائب رئيس اللجنة الفرعية للتجارة مع عضوية اللجنة الفرعية للنقل، فقد كشفت مصادر عن تهديده بعقد جلسة استماع حول ترحيل المنصرين واضطهادهم أثناء ذلك، وتلويحه بإجراءات مضادة في حق المغاربة تبعا لذلك، فهل سينجح في برنامجه؟ يصعب الجواب حاليا، لكن ثمة معركة ساخنة في هذا المجال هناك، لاسيما عندما نعلم أن حوالي 30 في المائة من أعضاء الكونغريس بحسب تصريح لأحد قادة الأمريكيين المسلمين هم من الإنجليين. إنها ثلاثة تطورات تفرض على المغرب تقوية استراتيجية تحركه في الساحة الأمريكية ، وتجنب الثغرات التي تعوق قدرته على احتواء مبادرات الخصوم.
المصدر: مصطفى الخلفي نشر في التجديد

