إن توجه الأمم والشعوب نحو ماضيها وتراثها تتحكم فيه طبيعة الحاضر ونوعية مشكلاته واحتياجاته. فالماضي متغلغل في بنية الحاضر كامنا وظاهرا، وحين تظهر مكوناته وتبرز فإنها لا تطرق باب الحاضر بتطفل، بل إن الحاضر هو الذي يستدعيها. وكل من يراجع طبيعة الحاضر الذي تبلورت فيه المشاريع التاريخية الكبرى، التي عرفتها حضارات الشعوب وثقافاتها، لابد أن تلتمع في ذهنه ملاحظة مهمة، وهي أن الأمم والشعوب تزداد انشغالا بماضيها وتاريخها حين يكون حاضرها منحطا مأزوما، فليس من الصدفة أن يظهر مؤرخ كبير في حجم توكيديد في زمن حرب البلوبونيز التي هدمت عصر بركليز الذي كان العصر ازدهار أثينا .
وليس صدفة أيضا أن يظهر عبد الرحمن بن خلدون وكتابه العبر في زمن ضعف المسلمين وسقوط الأندلس. وكذلك ليس صدفة أن يطغى على الخطاب العربي بعد هزيمة 67 انشغال عميق بالتراث، وبحث في طرائق تناوله ومناهج درسه. إن الأزمات والتحولات الكبرى التي تطول حاضر الإنسان عادة ما تدفع به إلى استعادة تاريخه والالتفات إلى ماضيه. وهذا راجع إلى أن الأمم في زمن التحول تستشعر خطر ذوبان هويتها وضياع شخصيتها، فيكون هذا دافعا لها إلى التشبث بتراثها وماضيها، الأمر الذي يفرز توجهات متنوعة، منها ما يكون تشبثه بالتراث انغلاقا وارتحالا من الحاضر للانكماش في السالف. ومنها ما يكون تشبثه بالتراث تشبثا واعيا يحركه فقه بطبيعة حراك المجتمع والتاريخ، فيستشعر ضرورة الاستمداد من الماضي لتشكيل حاضر يحافظ على الشخصية والهوية، دون أن يعوق حراك الامتداد والعطاء الجديد. كما أن الأمم في زمن التحول تشعر بضرورة إيجاد القواعد الثقافية لتوجيه نفسها وتنظيم واقعها، والتكيف مع مستجدات التطور والتحول. فتحاول التوجهات الفكرية الأصيلة داخل هذه الأمة أن تلتمس هذه الأداة في ماضيها وتراثها، أو تحاول تطوير الأداة الحضارية التي سيرتها ووجهت حركتها في الماضي بما ينسجم مع شروط ومعطيات التطور والانتقال. ثم إن زمن التحول والانتقال يتسم في ظاهرته الثقافية والاجتماعية بالغموض والتخبط، إذ في خلاله تتشوش الرؤية الفكرية وتختل موازينها، فتغرق في أزمات فكرية ومجتمعية خانقة، ومن ثم يكون من الضرورة أن ترتد الأمة إلى ماضيها، لتسترجع خط تطورها، قصد إضاءة غموض حاضرها، بملاحظة وفهم كيفية وأسباب وصولها إلى وضعيتها الحاضرة. والواقع أن عودة الشعوب والأمم إلى ماضيها سلوك إيجابي، إذا ما رافقه حس نقدي. فلابد للأمة التي تريد تبديل حاضرها المنحط إلى حاضر ناهض أن تستعيد سياق تطورها في الماضي، لتحدد الدوافع التي تنشط حركتها الحضارية، والعوائق التي تقعد بها عن الحركة والنهوض لتستحضر الأولى وتكيفها وفق احتياجاتها الجديدة . وغير ناضجة تلك العقلية التي تتنطع إلى الاستغناء عن الخبرة التراثية، وتنطلق من الصفر والفراغ فلا يبتدئ من الصفر إلا الصفر نفسه!
المصدر: الطيب بوعزة نشر في التجديد

