من المفروض أن تكون مصلحة المتعلم فوق كل اعتبار ،لكن من العيب والعار أن نجهل تمام الجهل متعلم العالم القروي وظروفه وأن نبتدع أشكالا وصيغا من الإيقاعات الزمنية لاتنسجم مع الوسط القروي وبنياته التحتية الهشة أحيانا والمنعدمة غالبا، ونزعم أنها من مصلحة هذا المتعلم.فعلى سبيل المثال لا الحصر سأطرح بعض النماذج من الواقع طبعا توضح أن الإقدام على تطبيق المذكرة 221 بالوسط القروي سيكرس ظاهرة الهدر المدرسي وسيكون سببا رئيسا في الغياب بجميع أشكاله، فمثلا بمجموعات كثيرة بالحوز يبعد جل التلاميذ عن مؤسساتهم بكيلومترات نظرا لكون الوحدات المدرسية تتوسط دواوير متباعدة، كما هو الحال بالمجموعات التالية: سيدي فارس، أغبار، إجوكاك، وزكيطة، تغنبوشت، التوامة، إسوال ، أسلون، أيت واكستيت، طلزين…وغيرها كثير.
وفي صلة بالموضوع تحكي أستاذة تعمل بسيدي فارس أن تلامذتها يقطعون ساعتين مشيا على الأقدام في الذهاب ومثلها في الإياب وتصرح أن التوقيت المقترح لم يراعي هذه الظروف ولم يترك مجالا للاختيار فأكدت أن تلامذتها يصعب عليهم أن يستمروا على هذا الحال.كما صرح أساتذة آخرون أن بعض تلامذتهم يقطعون مسافة تزيد عن خمس كيلومترات وقد سبق أن انقطع بعضهم… مما يعني ان مصلحة المتعلم التي هي فوق كل اعتبار ستجبره أن يقطع هذه المسافات أربع مرات في اليوم بدل مرتين وأنه في فصل الشتاء حيث يرافقهم أولياؤهم لقطع الوديان والأوحال عليهم أن يرافقوهم أربع مرات كذلك أو أن يمنعوهم من الدراسة البتة وهو الأقرب للصواب لديهم.. إن معاناة المتعلم بالوسط القروي كثيرة ولا تعد ولاتحصى ففي السنة الماضية فقط توفي تلميذ في مجموعة مدارس أزميم بالحوز يدرس بالسنة السادسة أتى في يوم ممطر ليرافق أخاه الذي يدرس بالمستوى الأول فغرق بأحد الوديان ، ونفس الشيء وقع لتلميذة بمجموعة مدارس أربعاء غجدامة حين أتى والدها ليرافقها حتى تجتاز واد لاغ على متن دابة فغرق الجميع… وغيرهم كثير، ونحن متأكدون أن الوزارة لاعلم لها بهذا… نحن كأساتذة لا نقول أن التوقيت المستمر سيحل هذه المشاكل لكن سيخفف منها، هذا من جهة من جهة أخرى يجب التحدث بصراحة عن البنيات التحتية الهشة للمدارس الابتدائية عموما ومدارس العالم القروي على وجه الخصوص فمثلا الوحدة التي أدرس بها عبارة عن قاعة يتيمة حيث لا ماء ولا كهرباء ولامرحاض ولا أي شيء يذكر فهل هذا يعني أنني والأستاذ الزميل يجب أن نمكث هنالك ومعنا الأطفال النائيين من الصباح إلى المساء ينظر بعضنا إلى بعض ولا مكان حتى لقضاء الحاجة أو الاستراحة شيء أو المطالعة أو أو …، فنحن كنا نعاني جميعا رغم التوقيت المستمر ، ونتحدى أي مسؤول مهما كان أن يمكث في مثل هذه الظروف ليوم واحد فضلا عن أسبوع أوشهر أوسنة… إن جعل مصلحة المتعلم فوق كل اعتبار يقتضي أمورا عدة منها: مراعاة ظروف العالم القروي وتنقل متعلميه وأساتذته. إصلاح البنيات التحتية التي زعم البرنامج الاستعجالي أنها ستكون جاهزة قبل بداية شتنبر والحال كما هو عليه بل أسوأ نظرا للاعتداءات الت يتطال المؤسسات والت يسجل عدد كثير منها مع بداية الدخول الحالي. توفير الحماية للمدرسة العمومية ولأطرها وتلامذتها الذين هم فوق كل اعتبار… توفيرالإطعام المدرسي السليم وليس المسموم كما هو الحال السنة الماضية بجماعة تيديلي بالحوز حيث تسمم العديد ممن هم فوق كل اعتبار. إشراك أباء وأولياء التلاميذ والاستماع إلى مقترحاتهم كما ينص على ذلك الميثاق رحمه الله. إشراك الأساتذة العاملين بالعالم القروي فهم الممارسين الحقيقيين بهذا الوسط… إن مصلحة المتعلم كذلك تقتضي أن يكون أستاذه مرتاح البال لكي تكون المردودية المنشودة فكيف ستكون نفسيته وهو قابع من الصباح إلى المساء وكيف سيرجع اليوم الموالي…كما أن هذه المصلحة تقتضي تكوين الأساتذة وتحفيزهم فكفانا من الخطابات الرنانة والعقيمة والمتكررة. ثم بعد هذا وذاك فمصلحة المتعلم التي أردناها فوق كل اعتبار تقتضي ان تكون له رعاية صحية حقيقية وليس إرسال ممرض مرة في سبع سنوات في أحسن الأحوال ليضع لهم ورقة بالية بها ارقام صغيرة وأخرى كبيرة بمزاعم أنها مراقبة البصر والتغذية و……. إن أطفال العالم القروي يعانون أمراضا خطيرة وفي بعض الأحيان معدية وعند ذهابه إلى المستشفى يطلب منه دفع الأموال فيرجع دون قضاء المطلوب وبذلك تتطور الحالة. وتقتضي المصلحة كذلك تشجيع هذا المتعلم في حالة تفوقه في الدراسة وإتمامها بدل كسر أسنانه وأضلاعه أمام البرلمان. إن الدول التي جعلت فعلا مصلحة المتعلم فوق كل اعتبار حافظت على التوقيت المستمر ولم يشكل لها أي عائق بل اعتبرته إيجابيا كدول أوروبا وخصصت طبيبا مختصا لكل مؤسسة ومساعدا اجتماعيا ومتخصصين فقط في التقويم وليس من درس هو من يتكلف بالتقويم كما جعلت تكوين الأساتذة ضروريا من أجل تطوير الكفاءات واشترطت أن يكون أستاذ الابتدائي أكثر تكوينا نظرا لتعامله مع أطفال صغار وحاولت تقنين الأقسام مشتركة ووضع مناهج لها…أما نحن نحاول تغيير التوقيت مع إبقاء البنيات هشة و نكثر الضم ونكرس ظاهرتي الأقسام المشتركة والاكتظاظ ونهمل بالتمام الرعاية الصحية وبعدها ببرودة نقول أن مصلحة التلميذ فوق كل اعتبار فمن سيصدقنا وهل نحن أنفسنا صدقنا هذا الكلام؟
المصدر: التجديد نشر في التجديد

