كيفما كان قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم اليوم بالقاهرة بشأن منافسات كأس إفريقا للأمم التي طالب المغرب بتأجيلها ،سيكون المغرب حقق انتصارا كبيرا و تاريخيا ليس على الصعيد الرياضي ضد هذا “الاتحاد”، وإنما ضد اللوبي المتخندق باسم الرياضة الأكثر شعبية و الذي تتزعمه كبريات الشركات الراعية و المحتضنة لهذه التظاهرة وتساعدها في ضرب المصالح المغربية العديد من الدول وعلى رأسها
الجزائر
في شخص ممثلها محمد راوراوة و آخرين. هكذا، فسواء بالإذعان لطلب المغرب القاضي بالتأجيل أو بالغاء نسخة 2015 مع تحميل المغرب كل التبعات، فإن بداية انهيار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم سيكون سببها كأس إفريقيا التي طالب المغرب بتنظيمها وكان عند حسن ظن المسؤولين الافارقة في الرياضة و المسؤولين في الفيفا كذلك، قبل أن يطالب بتأجيلها عند الضرورة القصوى وهي انتشار وباء أيبولا. انهيار اتحاد عيسى حياتو لن يكون القرار المتخذ اليوم بشأن كأس القارة لسنة 2015 هو السبب الوحيد فيه، وإنما لأن زمن “التنظيم النافع” للتظاهرات الرياضية الكبرى قد ولى، إذ إن الواقع أثبت بالملموس أن تنظيم مثل هذه التظاهرات لم يعد مغريا لسبب بسيط، هو أن مصاريف التنظيم المرتبطة بالاعتمادات و المنح اصبحت تعلو بكثير على الأرباح، الشيء الذي يخلف لدى الجهات والدول المنظمة عجوزات مالية و ديونا لا مثيل لها. فقبل نهاية القرن الأخير و في سنوات السبعينيات و الثمانينيات و التسعينيات على سبيل المثال ، كان المنتظم الدولي إذا أراد أن يبحر بدولة “متأخرة ” او” متأزمة ” اقتصاديا و اجتماعيا إلى مصاف الدول ” المتقدمة” المنتعشة، مَنحَها فرصة تنظيم كأس قارية أوروبية أو دورة أولمبية و بالخصوص دورة لكأس العالم لكرة القدم. ومنْح دولة معينة شرف تنظيم هكذا تظاهرة رياضية يعني منْحها إمكانيات بناء المركبات الرياضية و المركبات السياحية و الفنادق و شق الطرق و البنى التحتية، و بالتالي انفتاح هده الدولة على السياحة العالمية و الخدمات مختلفة النوع والقيمة، وباختصار جعل اقتصادها ينتعش مرحليا و على المدى البعيد، و لكم في
البرازيل
و
المكسيك
في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي و بالخصوص إسبانيا في ثمانينيات هذا القرن حينما نظمت كأس العالم و في بداية تسعينياته حينما نظمت الألعاب الأولمبية خير دليل على هذا التوجه. اليوم، ونحن في القرن الحادي و العشرين وفي ظل العولمة و اجتياح الإرهاب الدولي و تفشي الأمراض الفتاكة وعدم التحكم فيها، لم يعد تنظيم التظاهرات الرياضية العالمية أو الإقليمية مغريا ولا مربحا و الدليل كذلك هو ما حصدته
البرازيل
من خسائر و غرقت في الديون بعد تنظيمها لأكبر عرس رياضي هو كأس العالم الأخيرة. وعلى الرغم من أن القارة الإفريقية مازالت تعاني الفقر و التخلف و غياب الاستقرار مقابل اجتياح الإرهاب الذي يضرب العديد من دولها و يهدد الكثير من مناطقها، كان المغرب من السباقين إلى طلب تنظيم كاس إفريقيا 2015، وكان في الموعد من حيث الإعداد و التهييء على كافة الأصعدة. وبنيَّته الحسنة، فتح المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس إفريقيا من اجل الاستثمار الاقتصادي و التجاري و من أجل الاستقرار الثقافي و الديني كذلك، فزار جلالته شخصيا العديد من الدول الافريقية لوضع أسس التنمية القارية لإخراج هذه الدول من نمطية الاستهلاك والجمود إلى نمطية البناء و الإنتاجية . في ظل هده المعطيات يأتي طلب المغرب تأجيل تظيم كأس إفريقيا، وهو طلب لم ينبن على نزوة سياسية محض أو نزوة رياضية، ولكنه انبنى على قرار حكيم استند إلى معطيات موضوعية تهم اساسا “الضرورة القصوى” و هي توفُّر اسباب انتشار مرض أيبولا الفتاك . نعم بطلبه التأجيل و بتأكيده على هذا الطلب، وضع المغرب وهو يحسب ألف حساب لصحة المغاربة التي هي من صحة كل الأفارقة ،(وضع) الكاف في مأزق وهو الاتحاد الرياضي القاري الذي يوجد أصلا بين مطرقة ضغوط الفاعلين الاقتصاديين و الإعلام الدولي و بين سندان الاتهام بالتآمر و المحاباة و في بعض الأحيان “الفساد”، ليس في النتائج المسجلة على الميادين و إنما في المواقف المتعلقة بمنح شرف التنظيم المتعلق بكأس العالم ، سواء بالتصويت لفائدة من يدفع أكثر أو يضغط أكثر ، أو بالمحاباة، أو التزام الصمت على الكثير من الحقائق التي سيفضحها المستقبل القريب ، ولا شك أن الضجة الكبرى التي رافقت تنظيم كأس العالم 2022 في
قطر
لخير دليل على هذا الوضع. فما بين أمس و يومه الثلاثاء سيكون قرار الكاف قد اتُّخذ، و كيفما كانت طبيعة هذا القرار، الذي لن يتعدى إما التأجيل، كما طالب بذلك المغرب، أو الإلغاء، سيكون المغرب أكثر المنتصرين في مقابلة رياضية ليست على الميادين، وسيكون الاتحاد الإفريقي للكرة قد شق الطريق نحو الانهيار.. محمد عفري
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

