في 08 غشت 1963 ألقى القسّ الزنجي “مارتن لوتركينغ”، ذاك الرجل الأسود الجميل، ذو الصوت الملائكي، خطابا هز الأمة
الأمريكية
من أقصاها إلى أقصاها، وسيبقى هذا الخطاب مكتوبا بمداد الذهب في ذاكرة التاريخ إلى أبد الآبدين، وبه سيظل “مارتن” خالدا إلى يوم الدين.. لقد تطرق في خطابه هذا أمام حشود لا تعدّ ولا تُحصى، إلى مستقبل الأمة، واستقرارها، وإلى المرض العضال الذي كان يفتك بها، ألا وهو الكراهية، والبغضاء، والعنصرية النكراء، ولولا نضال “مارتن” لما كنت سترى رئيسا أسود في البيت الأبيض الأمريكي، بعدما كان ذلك مجرد حلم يبدو من قبيل المستحيل، أو ضرب من ضروب الخيال ليس إلا.. كان عنوان هذا الخطاب هو: يراودني حلم: [I have a dream]، وهي العبارة التي تخلّلت خطابه التاريخي الرائع: يراودني حلم… واليوم تعاني أمتنا مرضا عضالا، وكراهية وبغضاء، لكن ليس بسبب الأعراق والألوان كما كان شأن الأمريكان، ولكن بسبب العقائد والأديان.. وفي هذه المقالة المتواضعة، سوف أستعير عبارة “مارتن لوتركينغ” وهي “يراودني حلم” وسأجتزئ بعض الكلمات التي وردت في “ترنيمة” هذا القسّ.. نعم؛ يراودني حلم أن أرى السني والشيعي والإباظي والمسيحي يجلسون جميعهم حول مائدة الأخوة، ويتناولون خبز المحبّة في وئام وسلام.. يراودني حلم أن ينمو أطفالنا في مدارس تبني الإنسان، وتصنع الأذهان لمستقبل أفضل وغد أمثل لا أثر فيه لكراهية أو ضغينة بسبب العقائد والأديان.. أجل؛ يراودني حلم… يراودني حلم ألا ينظر للشخص من خلال دينه ومعتقده، ولكن من خلال شخصيته، وعمله وجميل أدائه في الأمة.. يراودني حلم أن تسود في الأمة دولة الحق والقانون والمساواة بين المواطنين في إطار المواطنة.. يراودني حلم أن تطهّر المدارس والجامعات، من التغذية الدينية المحرّضة على القتل والكراهية.. يراودني حلم أن أرى الإسلام موحّدا بعيدا عن كل الاختلافات، وأن نبتعد عن الولع بالوثنية المرجعية في الفقه.. يراودني حلم أن نعمل في منظومة التربية والتعليم على خلق عقول نقدية، لا عقول نقلية ماضوية.. يراودني حلم ألا نعتبر المنظومات الفكرية والفقهية التي أنتجها الأسلاف وكأنها منظومات مقدّسة لا يجوز التعاطي معها بالنقد والاجتهاد والرأي المخالف.. يراودني حلم أن نطرح عنّا ذلك الخوف الذي يشلّ فكرنا وحركتنا ويمنعنا من حرية العودة إلى التراث عودة علمية نقدية.. يراودني حلم أن أرى المسلم يهدم بفأس الحق مصانع الدعاة التي أدت إلى خراب الأنفس والعقول وإلى دمار الحرث والنسل.. يراودني حلم أن نمحو من أذهان الناس كل ما يجعل القتل واجبا دينيا، ويبشِّع صورة الإسلام والمسلمين.. يراودني حلم أن نتخلص من ماضٍ دموي بعيد يتم استنساخه اليوم، ماضٍ قال عنه “الحسن البصري”: “تلك دماء طهّر الله منها أسيافنا، فلا نلطّخ بها ألسنتنا”.. يراودني حلم… يراودني حلم أن أرى قيام المعهد العالي الإسلامي لتنقية التراث الديني.. يراودني حلم أن يطهّر المعهد الموعود تراثنا من كافة المسلّمات الفكرية والتاريخية الجاهزة لصناعة قتلة ومتطرفين دمويين.. يراودني حلم أن أرى المعهد العالي ينظف ركام الأحاديث من كل ما يسيء لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، وينحت صورة سوداء بائسة لهذا الدين.. يراودني حلم أن يقوم المعهد بعد إنشائه، بتتبّع كل مظاهر الاستبداد في مجتمعنا الإسلامي بوجه عام، واقتفاء جذورها التاريخية البعيدة في تراثنا، لأن الكراهية والتطرف لم ينبعا من فراغ.. يراودني حلم أن أرى أمتنا تستفيق من هذا “الْكُومَا الفكري والعقائدي” الذي طال قرونا عديدة، حتى صرنا نعيش على هامش عالم متحضر يتطور بسرعة مذهلة.. يراودني حلم أن أرى الأمة تقطع مع التأويل المغلوط والفهم المتعسف لنصوص القرآن الكريم.. يراودني حلم أن نتفادى الخلط بين الدين وواقع المسلمين.. يراودني حلم أن يعود الفقهاء إلى واجبهم العقائدي الديني، ويتركوا السياسيين يقومون بعملهم التدبيري السياسي.. يراودني حلم أن أرى نهاية لهذه الصورة النمطية الشائهة للمسلمين.. يراودني حلم…
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

