أكد مطيع في اعترافاته بأنّه تعرّف أوّل مرة على رموز الإخوان في بيت الخطيب إن أهمية هذا الرصد ضرورية هنا لأنّها هي من سيفسّر لنا ذلك الجدل الذي سيحتضنه الفضاء الأيديولوجي المغربي منذ الستينات وحتى اليوم بخصوص سؤال التحديث.لقد كان أوّل عمل أساسي يحمل موقفا نقديا للأسس الفكرية التي نهضت عليها الحركة الوطنية المغربية قدّمه عبد الله العروي. لا نتحدّث هنا عن نقد الأيديولوجيا العربية المعاصرة الذي يعتبر فريدا من نوعه هنا، بل عن أطروحته الأولى بالفرنسية التي تتعلق بالجذور الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية المغربية.هنا يجري الحديث عن أزمة الثقافة العربية عموما والثقافة المغربية خصوصا التي حصرها العروي في التفكير السلفي.كانت هذه الرؤية لها دلالات كبيرة في المغرب لأنّها شكّلت إرباكا للأسس التي قام عليها المشروع السياسي للحركة الوطنية. كان العروي يؤكّد على فكرة الحداثة التي اعتبرها غير حاضرة في جوهرها داخل الخطاب السلفي للحركة الوطنية.إنّ مشروع العروي هو النقيض الفكري للخطاب الذي ورثه المغرب عن الحركة الوطنية وتزعّمه علال الفاسي الذي يمثل عند صاحب نقد الايديولوجيا العربية المعاصرة مثال الشيخ .وسوف ندرك أيضا أنّ ملحمة نقد العقل العربي التي نهض بها محمد عابد الجابري لتقريب التراث وتدبير العلاقة بينه وبين الحداثة إن هو إلا محاولة لإنقاذ الخطاب الأيديولوجي للحركة الوطنية باعتبار أن محمد عابد الجابري ينطلق من رهانات هذه الحركة الوطنية السلفية باعتباره مناضلا سابقا في صفوف حزب الاستقلال ومن ثمة قيادي في حزب الاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية قبل أن يعلّق عضويته السياسية.سوف ندرك في اللحظة التي أعقبت مرحلة التناوب التوافقي التي عرفت تحولاّ في خطاب الجماعة الإسلامية لا سيما تلك التي انخرطت في العملية السياسية، بأن عودة الحديث بشكل أيديولوجي عن المغرب الحداثي، ما هي إلا نوبة من نوبات إحياء هذا الصراع .لندرك أن الأيديولوجيا في المغرب هي بنت نزاع سياسي قديم ربما أصبح اليوم في عصر انحسار الأيديولوجيا يتمظهر في صورة تنابذ سياسي وحزبوي انهدّ إلى مستوى الشعبوية والديماغوجية.ومن هنا فإنّ النزاع بين أطروحة العروي وأطروحة الجابري هو تصريف لجدل أيديولوجي سياسي مغربي وإن كان الحديث يبدو موسّعا شاملا للمدى العربي برمّته.فبين المغرب الحداثي الذي دافع عنه العروي والمغرب السلفي الوطني التراثي المرشدن(صيغة الجابري للعقلنة المغربية) الذي دافع عنه الجابري، نما خطاب آخر انتظر طويلا وهو يعكس أيديولوجيا شريحة استبعدت أو صمتت لكنها انتظرت سياسيا وحركيّا رجلا مثل عبد السلام ياسين زعيم حركة العدل والإحسان كما انتظرت مفكرا مثل طه عبد الرحمن لنحت أيديولوجيا ثالثة بينهما.لقد جاءت أعمال طه عبد الرحمن مناهضة للجابري والعروي معا.ولسان حالها أن الجابري لم يكن ملمّا بدعوى التراث لذا جاء نقده مجزوء غير مستوفي للمجال التداولي التراثي. كما أن دعوى الحداثة عند العروي هي واقعة في التقليد وغير مستوعبة لروح الحداثة التي تقتضي مهمة تقريبة وتداولية قصوى .ربما لم يلتفت حتى عبد السلام ياسين الذي جمعته صداقة الشباب بطه عبد الرحمن لأهمية ما يطرحه هذا الأخير. أو ربما وعى أهميته ولكنه لم يكن مستعدّا لتبنّيها حيث قدّم نفسه المنظّر الوحيد لجماعته. وإلاّ كانت أعمال طه عبد الرحمن تصلح أن تكون الخطاب المناسب لجماعة العدل والإحسان.ما يفسر انحسار أطروحة طه عبد الرحمن إلا في حيّز ضيق من بعض الإسلاميين، ليس فقط نزوعها المعقّد نحو منطقة القول الفلسفي وإخضاعه لتعقيد المقاربة التداولية في فقه اللغة ولكن نظرا للانحسار العالمي للأيديولوجيا وكونها أطروحة أخطأت موعدها مع التّاريخ، لأنها لم تطرح في زمن الصراع الأيديولوجي الذي احتدم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.في إطار هذه البيئة التي تولدت فيها الحركة الإسلامية في المغرب من رحم الإرث الأيديولوجي السلفي في مداه الوطني، كانت السلفية يومها جزء من الحركة الوطنية بعد الاستقلال.لكن بدأ التمّيز هاهنا حينما طرأت تحوّلات على الموقف الفكري والسياسي داخل الأحزاب والنقابات.يذكر هنا أنّ الخريطة الحزبية في المغرب عرفت تمزّقا كبيرا. أهمه انشقاق حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي تزعمه عبد الله إبراهيم.الانشقاق عن حزب علال الفاسي لم يكن سياسيا فقط بل بدأ يعرف تطوّرا على المستوى الأيديولوجي. فزعماء الاتحاد الذين كانوا في المرحلة الوطنية تلامذة لكبير رموز السلفية الوطنية ابن العربي العلوي ومتأثرين بخطاب علال الفاسي السلفي هم اليوم شقّوا طريقهم نحو الفكر الاشتراكي.وداخل العمل النقابي كانت هناك حساسية بدأت تتكوّن بين رجالات الاتحاد الوطني.أهمّها الجدل حول هويّة الحزب ومسألة موقع الإسلام في هذه التجربة.هذا وحده سيعطينا فكرة عن حقيقة انشقاق بعض الرموز النقابية من الاتحاد لتأسيس أولى الجماعات الإسلامية المغربية الشبيبة الإسلامية المغربية .وأمّا المؤسسين ففي طليعتهم عبد الكريم مطيع الذي لم تكن له خلفية إسلامية بالمعنى السياسي للعبارة. فلقد كان اتحاديّا صاحب أفكار وجوديّة.بينما شريكه إبراهيم كمال كان منذ العمل الوطني شيخا وداعية.غير أنّه عند تشكّل هذه التجربة في بداياتها لم يكن هناك ما يؤكّد أنّنا أمام صيغة للإسلام السياسي تتفرع عن الإخوان المسلمين التي كان لها صيت في مصر والشّام يومئذ.كانت الجماعة تمتح تصوراتها من خطاب السلفية الوطنية. ولم يكن لها تصور عن دعوى الإخوان.ستبدأ تجربة أخونة الحركة عند التقاء مؤسس حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، د, عبد الكريم الخطيب.يعني الحزب نفسه الذي سيحتضن فيما بعد بعض قيادات حرمة التوحيد والإصلاح ليصبح عنوانه:حزب العدالة والتنمية.كانت للخطيب علاقات وثيقة بالإخوان المسلمين في مصر وبالتنظيم الدولي للإخوان على الرغم من أنّه رجل مقرّب للدّولة منذ الاستقلال.تعرّف الخطيب على مسؤول التنظيم الدولي للإخوان المسلمين توفيق الشاوي، وقرّبه منه إلى حدّ ولاّه منصب مستشار قانوني في أوّل تجربة برلمانية مغربية، ترأّسها الخطيب نفسه.واستمر تدفق الإخوان ورموزهم إلى المغرب من أمثل صلاح أبو رقيق والأميري .بعد أن لفتنا الإنتباه إلى هذه الحقيقة، جاء عبد الكريم مطيع في اعترافاته ليؤكد على ذلك بالقول بأنّه تعرّف أوّل مرة على رموز الإخوان في بيت الخطيب.كما أنّ المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر كان قد نعى الخطيب في وفاته قائلا بأنه كان منتميا للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.وربما كانوا يتداولون بعض منشورات الإخوان من دون أن يعلموا بانتماء أصحابها. فلقد كان إبراهيم كمال يلقن لبعض الشباب كتبا مثل كتاب الفكر الإسلامي دراسة وتقويم حين صدوره يومئذ في سنة 1969م.وكان من بين الذين درسهم هذا المنشور النقابي المغربي اليساري:نوبير أموي.ولكنه لم يكن يعلم بأنهم يتعاطون كتب الإخوان المسلمين. اعداد ادريس هاني
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

