بنكيران رجل سياسة جاءها من الدعوة وليس رجل دولة. لهذا السبب فإن كلامه دائما يؤخذ على أنه رسالة وليس توجها مصلحيا لخدمة مصالح البلاد والعباد. فعندما يتحدث عن العفاريت والتماسيح فهو متأكد أنها كائنات غير موجودة ولكنه يستعد لفشله، حتى يضع أوزار الخسارة على جهة مجهولة، فالمعلوم قد يدافع عن نفسه ويفضح بنكيران، ومن ثم فإن حديث بنكيران عن الإدارة في انعقاد الجمع العام للمجلس الأعلى للإدارة ليس بريئا نهائيا. فالرجل، الذي يقود الحكومة وبالتالي يترأس الإدارة، لم يأت بأي وجهة نظر ولا خطة لإنقاذ الإدارة وتطويرها، ولكن جاء بمجموعة “شتائم” اقتلعها من قاع الخابية، كما يقول المغاربة، ليوجه سهامه تجاه فئة من المواطنين، لها ما لها وعليها ما عليها. فالموضوع هو الإدارة وليس الإداري، فالعنصر البشري يمكن ضبطه وتوجيهه لكن ما هي الخطوط الاستراتيجية لإصلاح الإدارة من طرف بنكيران؟ وهل في برنامجه شيء اسمه الإدارة؟ لا يتوفر بنكيران على مقومات الخطة الاستراتيجية للإدارة. أي بعبارة أدق: ما هي الإدارة في مفهوم العدالة والتنمية؟ وكما يغيب عن وعي هؤلاء “الدعاة” مفهوم الحزب السياسي ومفهوم الحكومة ومفهوم النقابة، التي تختلط كلها لتصب لديهم في بوثقة واحدة ووحيدة: الحركة الدعوية حركة التوحيد والإصلاح، التي هي وريثة حركة ذات اسم غريب: الجماعة الإسلامية، التي أسسها بنكيران في بداية ثمانينيات القرن الماضي. عرجنا على الجماعة الإسلامية، لتحديد ما يريد بنكيران من كلامه إن المغرب اليوم منقسم إلى حزب الإصلاح وحزب الفساد. بما يعني أن حزب الإصلاح هو ما يحيط بالعدالة والتنمية من حركة ونقابة وجمعيات ومنظمة طلابية وفريق نيابي ومتعاطفين، أما ما عدا ذلك من مكونات المجتمع فهي تمثل حزب الفساد. وهذا لا يختلف في شيء عن التصنيف السلفي للمجتمع إلى مؤمنين وكفار، فهي سلفية بربطة عنق ولهذا يأتي كلامها ملتبسا. هذا التحديد ضروري لنعرف ماذا يريد بنكيران من تصنيفه الموظفين إلى مجرمين وأولياء الله الصالحين؟ يعني أن هناك اتهاما عاما للموظفين، وبالتالي ينبغي أن يتم “تنقية” الإدارة من موظفيها المجرمين، وذلك في أفق أن يدخلها “الفاتحون” من أبناء التوحيد والإصلاح وما يدور في فلكها من تنظيمات بما فيها حزب العدالة والتنمية. ومما يدل على أن بنكيران ليس لديه رؤية لإصلاح الإدارة، وإنما لديه طموح للسيطرة عليها، هو أنه طلب من وزير الوظيفة العمومية إخلاء الإدارة في إطار مغادرة طوعية جديدة. فالمغادرة الطوعية فلسفة في الإدارة وليست هدفا. فلسفة قد تكون ناجحة وقد تكون فاشلة. لكن الغرض منها هو التخفيف من ثقل رواتب الموظفين على الخزينة العامة. حيث بلغت 12 في المائة لحظة إقرارها بينما المعايير الدولية هي ألا يتجاوز حجم كتلة الأجور في الوظيفة العمومية 8 في المائة. بالإضافة إلى تمكين الطاقات الشابة من ولوج الإدارة وإعطائها دما جديدا. لكن بنكيران يريد مغادرة طوعية ليخلو له الجو كي يملأها بأتباعه وحتى من غادر منهم يعود براتب أعلى كما هو شأن الكاتب العام لوزارة الاتصال الذي ما زال موقوف التنفيذ.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

