Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » مبدعون في حضرة آبائهم 2 2: الرجل ذو المعطف الطويل

    مبدعون في حضرة آبائهم 2 2: الرجل ذو المعطف الطويل

    بواسطة دابا ماروك25 يوليو، 20194 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    في رسالة كافكا إلى أبيه: « أبي الحبيب.. لقد سألتني مؤخراً: لماذا أزعم أنني أخاف منك؟ وكالعادة لم أدر بماذا أجيبك. تارة بسبب الخوف الذي يعتريني أمامك، وتارة لأن الكثير من التفاصيل متعلقة بحيثيات ذلك الخوف، بحيث لا يكون بوسعي لملمة شتاتها في الحديث معك ولو جزئياً. وإنني إذ أحاول هنا أن أجيبك خطياً، فإن كل ما أقوم به لن يكون سوى محاولة مبتورة، وذلك لأن الخوف وتبعاته يصدانني عنك حتى في الكتابة، ولأن جسامة الموضوع تتعدى نطاق ذاكرتي وإدراكي «.

    أمام اللجوء أو الهروب إلى الأم الحاضنة والحنونة وملاذ « التواطؤات « الجميلة، كيف يستحضر مبدعونا المغاربة صورة الأب، وهل تختلف نظرتهم إلى هذه السلطة الرمزية التي ارتبطت بالصرامة والتحكم؟ كيف دبروا هذه العلاقة التي تلتبس فيها العواطف بين خوف واحترام، بين حب أو كره، بين تقديس وقتل؟ لا يزال يذكر جيدا المنحدر الصغير الذي يقود نحو الوادي بعين مائه الدائمة الجريان.. لا يزال يذكر الرجل بمعطفه الطويل وبقامته الفارعة (في ما بعد، سيصبح هو أطول منه).. لا يزال يتذكره حين تقدم ليسأل جمعا من الأطفال عن ابن فلان، لأنه لا يعرفه، فأشاروا جميعهم بأصابعهم، وهم يقولون له بأمازيغية رصينة: «هو ذاك».. توجه الرجل صوبه وهو يمد إليه ذراعيه، فارتعد الصبي ذو السنوات الأربع رهبة وخوفا، واستجمع كل قواه الصغيرة وأطلق ساقيه (الغاية في النحافة) للريح على امتداد الوادي، وصولا إلى المنعرج الجبلي الذي يقود صوب.. حضن أمه. كان صوت الرجل لا يزال عالقا بأذنه وهو يناديه: «لا تخف، تعال.. أنا أبوك».. كان السؤال يلح على عقله الصغير، وهو يعدو هربا (وعبثا): كيف يسمح هذا الغريب بمعطفه الطويل لنفسه أن يدعي أنه أبوه، والحال أن صاحب اللحية الصهباء الذي ينام دوما في حضنه كل مساء هو أبوه؟ لم يمنع هذا اليقين الراسخ عنده، الرجل أن يلج غرف دارهم المعلقة بين جبلين (من جبال الأطلس الكبير)، عند واحد من فروع القمم المتعالقة مع جبل سيروا العالي ب 3350 مترا، والذي كان الثلج يظل مجللا قمته حتى شهر يوليوز من كل عام.. لم يمنع ذلك اليقين الطفل، ذلك الرجل أن يأكل وينام أياما، بل أسابيع بدارهم تلك.. رآهم جميعهم يحتفون به وبقدومه.. رأى أعمامه يعانقونه وهم يبكون مثل الأطفال.. رأى الشيخ الذي يسد عين الشمس، بلحيته الصهباء، وهو يقبل الرجل في فمه، ثم رآه يتراجع ويمد «رزته» البيضاء على الأرض ويقول بأعلى صوته: «الآن انزل أيها الموت.. الآن تعال، فأنا لا أخشاك».. رأى النسوة يزغردن فرحا.. رآهن يعانقن الرجل الغريب ويقبلن يده ويقبل هو أياديهن في حركة متتالية.. رأى أمه تبكي والنسوة حولها ينظفن البيت ويزلن عن دجاجات، ذبحت على عجل، ريشهن، وهن باسمات يرددن مواويل أمازيغية غريبة.. ثم رأى الرجل يخلع عنه معطفه، يزيل حذاءه، ويتمدد فوق الزرابي الباذخة التي فرشت لأجله.. رأى كل ذلك، وظل منزويا، صامتا، لا يهتم به أحد، شبه منسي وسط الجلبة التي عمت الدار فجأة.. رأى الرجل الممدد يعدل من جلسته ليجلس القرفصاء وناداه باسمه («هو يعرف اسمي» هكذا قال مستغربا).. دعاه للجلوس جواره، فرفض.. حاول عمه أخذه إليه بالقوة، فانفجر باكيا.. وما أن أفلت من قبضة قريبه، حتى ارتمى في حضن الرجل الشيخ بلحيته الصهباء، وصمت.. رددوا أمامه جميعهم أن الرجل الجالس هناك أبوه، ولم يجب بشئ.. ظل صامتا، يرقب ما يجري حوله في ذهول.. في الليل، وبعد أن غادر الجميع الدار ، انسل إلى أمه وهي تضع العلف للبهائم، فسألها مستغربا: «ألن يذهب ذاك الرجل الغريب، صاحب المعطف الطويل، إلى حال سبيله؟». فأجابته: «إلى أين سيرحل، إنه أبوك وهذه داره». رفض الصغير جواب أمه وهو يصيح فيها: «أبي هو فلان». أخذته بين ذراعيها وقالت: «لا، فلان جدك. أما أبوك فهو هذا الرجل. واسمه عبد الله». أين كان «عبد الله» هذا؟ ولم لم يظهر في ما مضى من الأيام؟ كان لا بد أن يموت الجد سنة واحدة بعد عودة الرجل ذي المعطف الطويل.. وكان لابد أن يعود مع أمه وأخويه مع ذات الرجل إلى بيتهم الآخر بمدينة الدار البيضاء ، كي يكتشف أنه ولد أصلا بتلك المدينة وأن أباه كان سجينا.. ما معنى سجين؟ وما السجن؟ ولم كان سجينا؟.. تلك أسئلة ولجت عقله الصغير باكرا، تماما مثلما ولجتها أسئلة السياسة ومعنى حزب في المعارضة، ومعنى أن ينتمي أبوه لذلك الحزب، ومعنى أن ذلك الانتماء يقود إلى الاعتقال والاختفاء.. وتلك حكاية أخرى لن يعرف تفاصيلها ومعانيها سوى سنوات بعد ذلك.. حدث الأمر كله في النصف الأخير من الستينات (1964/ 1968).. وكان لا بد من زمن، كي أدرك (أنا الطفل الأمازيغي الذي عاد إلى مسقط رأسه الدار البيضاء ، ذات شتاء بارد سنة 1969)، معنى ألم الغربة.. غربة طفل عن أبيه، وغربته الثانية عن جده الذي اعتقده أباه، ثم أخيرا غربة لسانه الأمازيغي السوسي، داخل مدينة لم يكن يجد من سبيل للتواصل مع كلمات أهلها الطيبين.. صار صاحب المعطف الطويل، صديقا له، أكثر مما كان «أباه». فقد ظل بينهما دوما تنافس رمزي، كل يدافع عن سلطته الرمزية الخاصة. صرت وأبي صديقين، كل واحد منا يدرك حدود جغرافيته، فكبرنا صادقين مع بعضنا البعض، بلا كلمات، بلا لغة للتفسير، بل بممارسة حياة.

    المصدر: مصطفى الإدريسي نشر في الاتحاد الاشتراكي

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    دفاع: المغرب وفرنسا يطلقان مناورات «شبيك» البحرية بتولون مع إدماج الجانب السيبراني لأول مرة

    19 سبتمبر، 2026

    تحذير مُهم: أمطار غزيرة وعواصف رعدية في عدة مناطق من المملكة المغربية

    19 سبتمبر، 2026

    تشريعيات 2026: نبيل بنعبد الله يرفض فكرة التحالف مع التجمع الوطني للأحرار في حال تحقيقه الفوز

    19 سبتمبر، 2026

    هل ساهمت الولائم الانتخابية في ارتفاع أسعار الدجاج بالمغرب؟ خبراء يكشفون أسباب الأزمة وتوقعات الانفراج

    19 سبتمبر، 2026

    سبتة: هزيمة نكراء لمناورة الحزب الشعبي و«فوكس» ضد المغرب في البرلمان الأوروبي

    19 سبتمبر، 2026

    أزمات الصرف الصحي في المستشفيات تُثير تساؤلات حول أداء وزير الصحة بالمغرب

    19 سبتمبر، 2026

    لحوم مجمدة تُزين موائد المغاربة الشهر المقبل.. من أي الجهات تأتي؟

    19 سبتمبر، 2026

    ندوة علمية تناقش تأويل النصوص وضرورة إحيائه في الساحة الأكاديمية المغربية

    19 سبتمبر، 2026

    انطلاق مشاريع ضخمة لتأهيل شوارع وأزقة مدينة حد السوالم باستثمار 105 ملايين درهم

    19 سبتمبر، 2026

    توقعات الأحوال الجوية لليوم السبت في المغرب

    19 سبتمبر، 2026

    لقجع من بركان: زيادة الدعم للأسر إلى 1000 درهم ومعاشات المتقاعدين إلى 3000 درهم في إطار البرنامج الاجتماعي لحزب الجرار

    19 سبتمبر، 2026

    امرأة حامل تضع مولودها أمام المستشفى الجامعي بأكادير.. والمجتمع يطالب بفتح تحقيق عاجل

    19 سبتمبر، 2026

    خطة لتزوير الانتخابات في تسريب صوتي يثير الجدل في المغرب

    19 سبتمبر، 2026

    ما الذي يجري في ساحة «البلدية» بالدار البيضاء التي أصبحت نقطة سوداء في قلب المدينة؟

    18 سبتمبر، 2026

    حماية تطوان من الفيضانات: وكالة “اللكوس” تنطلق في عملية تنظيف 6200 متر من المجاري والقنوات للحفاظ على سلامة المدينة

    18 سبتمبر، 2026

    فنادق مغربية فاخرة تُنافس بأناقتها ضمن قائمة أفضل 50 فندقاً عالمياً

    18 سبتمبر، 2026

    منظمات تحذر مجلس حقوق الإنسان من انتهاكات وتضييق الحريات وتطالب بتعزيز الحماية في مخيمات تندوف

    18 سبتمبر، 2026

    البولفار 2026: «بوقال» و«فيغوشين» و«ديزي دروس» يشرعون في حفل الافتتاح المغربي الكبير

    18 سبتمبر، 2026

    أمن وجدة يعتقل شخصين بسبب الاعتداء على مواطن داخل منزله

    18 سبتمبر، 2026

    رفع قيمة جائزة نوبل لعام 2026 إلى 1,21 مليون دولار: خطوة نحو تكريم التميز والابتكار في العالم

    18 سبتمبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter