في رسالة كافكا إلى أبيه: « أبي الحبيب.. لقد سألتني مؤخراً: لماذا أزعم أنني أخاف منك؟ وكالعادة لم أدر بماذا أجيبك. تارة بسبب الخوف الذي يعتريني أمامك، وتارة لأن الكثير من التفاصيل متعلقة بحيثيات ذلك الخوف، بحيث لا يكون بوسعي لملمة شتاتها في الحديث معك ولو جزئياً. وإنني إذ أحاول هنا أن أجيبك خطياً، فإن كل ما أقوم به لن يكون سوى محاولة مبتورة، وذلك لأن الخوف وتبعاته يصدانني عنك حتى في الكتابة، ولأن جسامة الموضوع تتعدى نطاق ذاكرتي وإدراكي «.
أمام اللجوء أو الهروب إلى الأم الحاضنة والحنونة وملاذ « التواطؤات « الجميلة، كيف يستحضر مبدعونا المغاربة صورة الأب، وهل تختلف نظرتهم إلى هذه السلطة الرمزية التي ارتبطت بالصرامة والتحكم؟ كيف دبروا هذه العلاقة التي تلتبس فيها العواطف بين خوف واحترام، بين حب أو كره، بين تقديس وقتل؟ لا يزال يذكر جيدا المنحدر الصغير الذي يقود نحو الوادي بعين مائه الدائمة الجريان.. لا يزال يذكر الرجل بمعطفه الطويل وبقامته الفارعة (في ما بعد، سيصبح هو أطول منه).. لا يزال يتذكره حين تقدم ليسأل جمعا من الأطفال عن ابن فلان، لأنه لا يعرفه، فأشاروا جميعهم بأصابعهم، وهم يقولون له بأمازيغية رصينة: «هو ذاك».. توجه الرجل صوبه وهو يمد إليه ذراعيه، فارتعد الصبي ذو السنوات الأربع رهبة وخوفا، واستجمع كل قواه الصغيرة وأطلق ساقيه (الغاية في النحافة) للريح على امتداد الوادي، وصولا إلى المنعرج الجبلي الذي يقود صوب.. حضن أمه. كان صوت الرجل لا يزال عالقا بأذنه وهو يناديه: «لا تخف، تعال.. أنا أبوك».. كان السؤال يلح على عقله الصغير، وهو يعدو هربا (وعبثا): كيف يسمح هذا الغريب بمعطفه الطويل لنفسه أن يدعي أنه أبوه، والحال أن صاحب اللحية الصهباء الذي ينام دوما في حضنه كل مساء هو أبوه؟ لم يمنع هذا اليقين الراسخ عنده، الرجل أن يلج غرف دارهم المعلقة بين جبلين (من جبال الأطلس الكبير)، عند واحد من فروع القمم المتعالقة مع جبل سيروا العالي ب 3350 مترا، والذي كان الثلج يظل مجللا قمته حتى شهر يوليوز من كل عام.. لم يمنع ذلك اليقين الطفل، ذلك الرجل أن يأكل وينام أياما، بل أسابيع بدارهم تلك.. رآهم جميعهم يحتفون به وبقدومه.. رأى أعمامه يعانقونه وهم يبكون مثل الأطفال.. رأى الشيخ الذي يسد عين الشمس، بلحيته الصهباء، وهو يقبل الرجل في فمه، ثم رآه يتراجع ويمد «رزته» البيضاء على الأرض ويقول بأعلى صوته: «الآن انزل أيها الموت.. الآن تعال، فأنا لا أخشاك».. رأى النسوة يزغردن فرحا.. رآهن يعانقن الرجل الغريب ويقبلن يده ويقبل هو أياديهن في حركة متتالية.. رأى أمه تبكي والنسوة حولها ينظفن البيت ويزلن عن دجاجات، ذبحت على عجل، ريشهن، وهن باسمات يرددن مواويل أمازيغية غريبة.. ثم رأى الرجل يخلع عنه معطفه، يزيل حذاءه، ويتمدد فوق الزرابي الباذخة التي فرشت لأجله.. رأى كل ذلك، وظل منزويا، صامتا، لا يهتم به أحد، شبه منسي وسط الجلبة التي عمت الدار فجأة.. رأى الرجل الممدد يعدل من جلسته ليجلس القرفصاء وناداه باسمه («هو يعرف اسمي» هكذا قال مستغربا).. دعاه للجلوس جواره، فرفض.. حاول عمه أخذه إليه بالقوة، فانفجر باكيا.. وما أن أفلت من قبضة قريبه، حتى ارتمى في حضن الرجل الشيخ بلحيته الصهباء، وصمت.. رددوا أمامه جميعهم أن الرجل الجالس هناك أبوه، ولم يجب بشئ.. ظل صامتا، يرقب ما يجري حوله في ذهول.. في الليل، وبعد أن غادر الجميع الدار ، انسل إلى أمه وهي تضع العلف للبهائم، فسألها مستغربا: «ألن يذهب ذاك الرجل الغريب، صاحب المعطف الطويل، إلى حال سبيله؟». فأجابته: «إلى أين سيرحل، إنه أبوك وهذه داره». رفض الصغير جواب أمه وهو يصيح فيها: «أبي هو فلان». أخذته بين ذراعيها وقالت: «لا، فلان جدك. أما أبوك فهو هذا الرجل. واسمه عبد الله». أين كان «عبد الله» هذا؟ ولم لم يظهر في ما مضى من الأيام؟ كان لا بد أن يموت الجد سنة واحدة بعد عودة الرجل ذي المعطف الطويل.. وكان لابد أن يعود مع أمه وأخويه مع ذات الرجل إلى بيتهم الآخر بمدينة الدار البيضاء ، كي يكتشف أنه ولد أصلا بتلك المدينة وأن أباه كان سجينا.. ما معنى سجين؟ وما السجن؟ ولم كان سجينا؟.. تلك أسئلة ولجت عقله الصغير باكرا، تماما مثلما ولجتها أسئلة السياسة ومعنى حزب في المعارضة، ومعنى أن ينتمي أبوه لذلك الحزب، ومعنى أن ذلك الانتماء يقود إلى الاعتقال والاختفاء.. وتلك حكاية أخرى لن يعرف تفاصيلها ومعانيها سوى سنوات بعد ذلك.. حدث الأمر كله في النصف الأخير من الستينات (1964/ 1968).. وكان لا بد من زمن، كي أدرك (أنا الطفل الأمازيغي الذي عاد إلى مسقط رأسه الدار البيضاء ، ذات شتاء بارد سنة 1969)، معنى ألم الغربة.. غربة طفل عن أبيه، وغربته الثانية عن جده الذي اعتقده أباه، ثم أخيرا غربة لسانه الأمازيغي السوسي، داخل مدينة لم يكن يجد من سبيل للتواصل مع كلمات أهلها الطيبين.. صار صاحب المعطف الطويل، صديقا له، أكثر مما كان «أباه». فقد ظل بينهما دوما تنافس رمزي، كل يدافع عن سلطته الرمزية الخاصة. صرت وأبي صديقين، كل واحد منا يدرك حدود جغرافيته، فكبرنا صادقين مع بعضنا البعض، بلا كلمات، بلا لغة للتفسير، بل بممارسة حياة.
المصدر: مصطفى الإدريسي نشر في الاتحاد الاشتراكي

