للبرلمان خصوصيات تميزه عن باقي المؤسسات. ولرئيس مجلس النواب امتياز من حيث الترتيب الدستوري. وللحزب الذي يحوز هذه الرئاسة قيمة مضافة. وتقاتلت الأحزاب من أجل هذا المنصب بل كان عمدة المفاوضات بين الأحزاب السياسية أثناء تشكيل حكومة بنكيران خصوصا في صيغتها الثانية. ونختلف مع من يُرتب رئاسة المجلس الثالثة بروتوكوليا مع العلم أنه عن مجلس النواب تنبثق الحكومة. مجلس النواب برمزيته وموقعه السيادي والتشريعي أصبح اليوم عرضة ل”البيع والشراء” مع الحزبين القويين في الحكومة، العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، حيث أقدم الحزبان بمعية الأغلبية وأحيانا المعارضة أيضا على المس برمزية مجلس النواب وسيادته، إلى درجة لم تعد الأغلبية تستحيي من التمويل الأجنبي. التمويل إذا كان واضح المصادر ومبررا فلا غبار عليه. لكن أن تقبل المؤسسة السيادية التي تصدر التشريعات لعموم المغاربة فهذا غير مقبول ومس بالسيادة الوطنية. مشروع تمويل مجلس النواب من الاتحاد الأوروبي وضعه كريم غلاب وتم رفضه، وأقام الحزب الأغلبي الدنيا ولم يقعدها، وثارت ثائرة فريقه النيابي الذي اعتبر التمويل الأوروبي لمجلس النواب من شأنه التأثير على استقلالية المجلس، لكن اليوم وبعد التوقيع على الاتفاقية بعد أن تقدم بها الرئيس الجديد الطالبي العلمي التزم الفريق الصمت وكأن أبو لهب قد أسلم، وقال الحزب آمين، يعني في عهد غلاب كانت السيادة مهددة والاستقلالية في خطر، أما في عهد العلمي الطالبي فإن السيادة مصونة والاستقلالية لا خوف عليها بفضل ضمانات العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار. فما الذي حدث حتى ترفض فرق الأغلبية مقترح غلاب وتقبل مقترح الطالبي العلمي الذي هو نفسه بدون تعديل ولا تحوير ويحمل العنوان نفسه؟ فهل جرى شيء لا نعرفه؟ واقع الحال يقول إن هناك لعبة تجري لا يقدر اللاعبون فيها خطورة الأفعال التي يقدمون عليها. مشروع التمويل الأوروبي لمجلس النواب مرفوض سواء تقدم به غلاب أو الطالبي. والقبول به قبول بالمس بالسيادة الوطنية. والبرلمان ليس بناية من أحجار ومكاتب من أوراق ونواب ومستشارون يتقاضون أجورا شهرية مقابل ألا يحضروا جلسات المجلس وأشغال اللجن. البرلمان ليس بناية وإنما دلالة على تطور بناء الدولة المغربية الحديثة. وإقرار أجور للبرلمانيين أو تعويضات عن المهام بمبالغ مريحة الهدف منه ضمان فعالية المجلس واللجن وليس تحويل البرلمان إلى ريع من نوع آخر خصوصا مع اللوائح الاستثنائية التي يتم فيها وضع الشقيقات والأبناء. فقبول التمويل الأوروبي خرق للسيادة. وتبين أن الذين قبلوا بهذه اللعبة لا يستفيدون من التاريخ. الريال الأوروبي لا يمنح مجانا. ثم ماذا سيكون موقف مجلس النواب في حال عرف البرلمان الأوروبي تحولات جذرية ونحن نعيش على مقربة من الانتخابات الأوروبية التي ستجري يوم 25 من الشهر الجاري؟
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

