في وقت من الأوقات، كان يعتبر مدخّن “الكيف” شخصا ليس كسائر خلق الله. كانت النظرة إليه فيها خليط من التبرّم والإعجاب؛ من النفور والتقرّب. كان المدمنون عليه، على العموم، من الحرفيين، لكن أغلبيتهم كانت، على وجه أخص، من الخرّازة (الإسكافيون)، والفرناتشية (أصحاب الأفرنة)، والجزّارة، وبائعي الخضر، والطبّالة والغياطة، وسائقي الشاحنات والعربات. أما باقي المتعاطين لتدخين “الكيف”، فتجد فيهم بعض الأعيان والوجهاء، وبعض رجال التعليم، والممرضين، والموظفين والمستخدمين، وبعض الطلبة، إلى جانب عاطلين. وبالرغم من أن “الكيف” كان “يخلع”، فإن أمهات ذلك الزمان، من ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كنّ يجدن في مدمن هذه العشبة “الكيف”، الذي يوجد في الدرب أو الحيّ، الحلّ الأنجع، بحيث لا يتردّدن في التوجه إليه كلما شعرن بإصابة أطفالهن بإسهال أو وجع أو دوخة أو شيء من هذا القبيل. فكان الرجل يأخذ أنفاسا عميقة من “السّبسي” (غليونه العجيب) وينفث دخانا كثيفا على وجه الطفل ورأسه؛ فتنصرف الأمّ وهي تردد “الله يرحم والديك”. ولا تكاد تعود إلى المنزل حتى تعود الحيوية إلى طفلها. هذا ما كان شائعا ومعروفا عن الأثر العجيب لعشبة “الكيف”، والتعامل معها في مغرب كانت مناطق كثيرة منه معروفة بزراعتها، لدرجة أن فيلما أجنبيا شهيرا تمّ تصويره في المغرب حول الموضوع تحت عنوان “طريق الكيف” (la route du kif)، أثار فضولنا ونحن بعد صغار. اليوم، يعود موضوع “الكيف” ومادة “الكيف” إلى الواجهة، وعلى مستوى عال. اليوم، يصل إلى علم البعض منافع “الكيف”، والمناداة باستغلاله واستعماله مادة طبية تصلح للعلاج. وهذا يؤكد ما ذهب إليه المجتمع المغربي قبل أكثر من ثماني وخمسين سنة حين أقبل، بدون حرج، على هذه العشبة كمادة ووسيلة علاج فعّالة؛ وتكيّف معها المجتمع بشكل تلقائي كما كان “يتكيّف” صاحب “السبسي” بكل نشوة وهو يأخذ النّفس تلو النّفس؛ كما يؤكد أهمية مقولة “الضرورات تبيح المحظورات”، بمعنى أن فئة عريضة من السياسيين والحقوقيين أصبحت تقرّ، اليوم، من أعلى منابر البرلمان والأحزاب والإعلام والمنظمات والهيئات، بأهمية العشبة العجيبة، وتنادي بإباحة ما كان محظورا، واستغلاله بما ينفع البلاد والعباد. من المفيد القول إن تجربة إقناع مزارعي هذه العشبة بالتحوّل إلى نشاط زراعي آخر، لم تعط ما كان منتظرا منها. وهذا شيء طبيعي. فالمزارع الذي كان يكسب من زراعة “الكيف” مدخولا أكبر وقارا، وجد نفسه في وضع أسوأ، ممّا دفع عددا غير قليل منهم إلى صرف النظر عن النشاط الزراعي الجديد الذي تقترحه الدولة. ناهيك عن أن المتابعين في هذا النشاط المحظور يتجاوز أربعين ألف شخص. وهذه إشكالية أخرى. التوجّه الجديد في هذا المجال يطالب برفع الحظر الرسمي عن عشبة وجدت في المغرب التربة الخصبة لها، لكن عملية التحويل التي خضعت لها العشبة من طرف سماسرة وتجّار ومهرّبين كبار لتصبح في دائرة المخدّرات الخطيرة أو الصلبة، هي التي جعلت منها خطرا تجب محاربته، علما أن “الكيف” في حدّ ذاته ليس مادة مخدّرة ولا خطيرة. تبقى مشكلة آلاف الأشخاص المتابعين في هذه القضية، ومن ورائهم آلاف الأسر التي كانوا يعيلونها، قائمة مادام أن التصوّر الشامل والنهائي، ربما، لم يتم التوصّل إليه، ومن ضمنه العفو عن هؤلاء الأشخاص الذين كيّفوا حياتهم ومعيشتهم ومستقبلهم مع “الكيف” الذي ظهر أن فيه مآرب أخرى … نافعة. رُبَّ ضارّة نافعة.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

