لا نعرف أية ذبابة حطّت على رأس الحكومة لتصيبها بحالة سهو مستمرة أصبحنا نخشى أن تؤدي إلى حصول الأسوإ. من هذه الحالات أن الحكومة فكّرت وقدّرت، ثم فكرت وقدرت لتنتهي إلى تخصيص سيارة جديدة لكل وزير. وفي محاولة منها لإبعاد شبح أيّ تأويل، دافعت ودفعت بحجة أن هذه السيارات هبة من
اليابان
الشقيق، عفوا الصديق؛ وهي سيارات بيئية، من النوع الذي لا يستهلك البنزين بكثرة، كما أنها نظيفة وسلسة في القيادة. الحكومات عندنا مهووسة ب”البريستيج” و”اللّوك” لدرجة أنها لا تتردد في أن تتبرع وتبرّع أعضاءها بما جدّ وحلّ في عالم السيارات التي تفضل “التهام” البنزين الممتاز؛ ولا يتحدث عن الكيلومتراج إلاّ “المزاليط”. والحمد لله أن حكومتنا ليس فيها “مزاليط” بل فيها صناديد: منهم من “يخرج عينيه فيك” لكي يشلّ ردّ فعلك. منهم من هواة السيارات الفارهة. منهم من يطير غضبا وهو يقول: “هل يريد الناس أن نتحرك على الأقدام..” لكن لا ننكر أن فيهم “أولاد الناس”. إذا كان رأس الحكومة صرّح يوما أنه لا يعرف كيف يركّب ربطة العنق لأنه لم يكن متعوّدا عليها، ولم تكن تدخل في دائرة اهتماماته، فكيف سيتعامل مع السيارات التي تسبق سرعتها سرعة الريح؟ قد يقول إنه متعوّد على “عود الريح”، لذلك فمهمة قيادة هذا النوع من السيارات موكول للسائقين المهرة. ولا نخال الوزراء غير سعداء بهذه السيارات، خاصة الذين ودّعوا، بطريقة لا رجعة فيها، أيام العدس والحمص وما جاورها من الحرمان والبؤس، ليصبحوا من فئة القوم الذين يغيّرون بذلتهم في كل وقت: بذلة للصباح، بذلة للزوال، بذلة للمساء وأخرى للسهرات التي لا يمكن التغيّب أو التخلّف عنها. ربما “الماركتينغ” السياسي يفرض ذلك. سيارة لكل وزير. “بالصحة والراحة”. سيارة جديدة يركنها في موقف أمام الملإ لتكون محطّ أنظار الراجلين والراكبين؛ المقيمين والعابرين؛ الجيران والأقربين، ولا يهمّ أن يركنها في أيّ مكان. إنها سيارة الوزير. ومع ذلك، فإن جيران أحد الوزراء الذي لا يحسن الاتصال ولا التواصل، استشاطوا غضبا من مضايقة سيارته بسبب أنها تحتل مساحة تتسع لأكثر من سيارة، وتقف أين شاءت من دون خوف من “الصّابو” أو عربة “الديباناج” التي تجرجر سيارات العباد إلى المحجز البلدي. إنها سيارة الوزير التي “تحرق” جميع الأضواء والعلامات وتحرق معها الأعصاب. ولن يوقفها “باباه” أيّ شرطي أو دركي، وإلاّ فسيكون مصيره “الكاراج”. سيارة لكل وزير تفرضها المسؤولية والمصلحة ومآرب أخرى، مثل تنقّل الزوجة والأولاد والضيوف والأحباب إلى السوق (الممتاز) والحمّام (الممتاز) والتجوّل (الممتاز). أما السيارة الشخصية، فدعها قابعة في المرآب، أو اتركها للبنت أو الولد ليتسلّى بها وليقضي بها حاجات ومآرب أخرى. لا نغبط أحدا. بل نتمنى أن يظل الوزير عندنا دائما “فوق الفوق”. متى سينزل الوزير من سيارته إلى الأرض ويسير بقدميه على الحضيض؟ لقد نسي البعض منهم مشيته. متى سيتم هذا التنزيل؟ سيتم حين تتجرأ الحكومة على التراجع عمّا اتخذته من قرارات غير شعبية.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

