وأخيرا، تحققت نبوءة القذافي عن «الرياضة الجماهيرية» ونزلت الجماهير إلى أرضية الملعب؛ ففي الفصل الثالث من الكتاب الأخضر، تساءل القذافي لماذا يلعب 22 لاعبا كرة القدم بينما يتفرج عليهم الآلاف من «المغفلين»، ودعا المتفرجين إلى النزول إلى الملعب ومزاحمة اللاعبين… هذا ما كتبه القاص الليبي الساخر، عمر الكدي.
يوم أحدٍ أسود في العاصمة الرباط، مع مباراة الجيش الملكي والدفاع الحسني الجديدي، يعقـُب آحادَ الدار البيضاء السوداء التي كان آخرها أحد 21 شتنبر الماضي (مباراة الرجاء والجيش)، دون أن ننسى، طبعا، خميس 11 أبريل 2013 الأسود…
التوصيف الصحافي لشغب الملاعب بـ»الأحد الأسود» مأخوذ من عنوان الفيلم أمريكي «Black Sunday» الذي يحكي قصة مجموعة مسلحة تستعمل طائرة نفاثة لتدمير ملعب لكرة القدم الأمريكية. الفرق بين مدمري الملعب الأمريكي ومدمري الملاعب المغربية هو أن الأمريكيين يدمرون الملعب بدوافع سياسية (الفيلم مستوحى من حدث احتجاز ثمانية فدائيين فلسطينيين أحد عشر رياضيا إسرائيليا من المشاركين في دورة الألعاب الأولمبية، في شتنبر 1972 بمدينة ميونخ الألمانية) بينما المغاربة يدمرون الملاعب والشوارع بشهوة التدمير ليس إلا، كما أن علاقتهم بالسياسة كعلاقة الحمار بالأسفار التي يحملها؛ فجمهور كرة القدم يلتحف بالعلم الوطني ويرسمه على جبهته، وهو تعبير عن وطنية زائدة، لكن بمجرد أن يمنى فريقه بهزيمة يقتلع هو الكرسي الذي يجلس فوقه، ثم ينزل إلى الشارع ليقتلع أبواب ونوافذ الحافلات والقطارات ويحطم واجهات المحلات وحاويات الأزبال.
في أبريل من السنة الماضية، أحدث مشجعون قادمون من الرباط رعبا ودمارا حقيقيين في أهم شوارع الدار البيضاء التي نزلوا يتجولون فيها مثل جيش من التتار.. فحطموا سيارات وحافلات وقاطرات للطرامواي ومحلات تجارية، وعنفوا المارين دونما سبب. وقد اعتقل حوالي 300 من هؤلاء «التتار»، في ما يعرف بقضية «الخميس الأسود»، وتوبع 137 منهم في حالة اعتقال بتهم منها «تكوين عصابة إجرامية والسرقة الموصوفة والإخلال بالأمن العام٬ وإلحاق خسائر بممتلكات الدولة والخواص والتحريض على الكراهية بترديد عبارات عدوانية ومخلة بالآداب، وتسخير مواقع إلكترونية للتحريض على اقتراف جنايات…»، قبل أن يتم إطلاق سراحهم بعدما أعطى الملك تعليماته لوزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، بتقديم ملتمس إلى الهيئات القضائية المعنية يقضي بمنح السراح المؤقت للمعتقلين، مما أثار نقاشا دستوريا حول العفو الخاص والعفو العام، وما إذا كان تركيزهما، معا، بيد الملك يمس بمبدإ الفصل ما بين السلطات، الذي هو المدخل الرئيسي للديمقراطية.
عندما كان للسياسة معنى في هذا البلد، كانت الدولة «اللاديمقراطية» تحتكر كرة القدم، والرياضة بصفة عامة؛ فكان الحسن الثاني يتصل بمدرب الفريق الوطني ويملي عليه خطة اللعب ويحف اللاعبين بعناية خاصة. بالمقابل، كانت أحزاب المعارضة تحتكر الثقافة: اتحاد الكتاب، الأندية السينمائية، مسرح الهواة… وكنا أمام مشروعين واضحين: مشروع يُعنى بالجسم ومشروع يُعنى بالعقل؛ وحتى عندما أراد المعطي بوعبيد، وكان برلمانيا اتحاديا جماهيريا، أن يجمع بين الكرة والسياسة، دارت به دوائر المخزن وأسست له حزبا إداريا ملأته بمناضلين يصفقون ولا يناقشون.
الآن، القضية الوطنية الأولى للشعب المغربي، هي كرة القدم؛ فما يجمع الموظف بالعامل والعاطل.. هو أحاديث مباريات كرة القدم، والميزانية التي يتفق عليها السياسيون الحاكمون والمعارضون، هي كرة القدم التي تحتل الصدارة في سياسة الدولة وحسابات الأحزاب الانتخابية، كما تحتل الصدارة في الجرائد والبرامج التلفزيونية والأخبار. وفي الوقت الذي لا تصل فيه ميزانية وزارة الثقافة إلى 1 في المائة، تصرف ملايير الدراهم على كرة القدم.
مرة ًسألتُ سياسيا عمن يحمي رئيس مجلس إحدى المدن الكبيرة، يكاد يجمع الجميع، بما في ذلك الدولة، على فساده وسوء تسييره، فأجابني: ذلك الرئيس هو من كان يمول جمهور الفريق الفلاني أو «بلطجيته» لمواجهة حركة 20 فبراير. حينها، تذكرت أن كرة القدم الحقيقية هي التي تـُلعب خارج الملاعب وأن الكرة مثل الديكتاتور الذي يفقرنا ويجهلنا لكننا لا نقوى على انتقاده أو مساءلته، بل نطمئن أنفسنا بقولنا: بفضله يرفرف علمنا بين أعلام الأمم!

