المجلس الأعلى للحسابات مؤسسة دستورية. وحسب منطوق الدستور “المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله. يمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم” و”تتولى المجالس الجهوية للحسابات مراقبة حسابات الجهات والجماعات الترابية الأخرى وهيئاتها، وكيفية قيامها بتدبير شؤونها. وتعاقب عند الاقتضاء، عن كل إخلال بالقواعد”. المجلس الأعلى للحسابات هو آلية من آليات الحكامة الجيدة إن لم يكن أهمها على الإطلاق. فهو الذي يراقب صرف المالية العمومية. وللمجلس أدوات للمعاقبة. لكن المجلس هيئة قضائية تنجز ملفات عبارة عن محاضر عن الاختلالات في التدبير المالي تتولى وزارة العدل باعتبارها رئيسة للنيابة العامة بتحريك الدعوى بشأنها. في التقرير الحالي للمجلس الأعلى للحسابات اتهامات لحوالي 80 مسؤولا من مختلف الرتب والمقامات. وهناك توجيهات أخرى. فهل ستعمل الحكومة على مواكبة التطورات التي يعرفها المغرب في مجال الحكامة أم أنها ستدخل في جدل مع المجلس الأعلى للحسابات كما دخلت في جدل مع المندوبية السامية للتخطيط حول الأرقام بالمغرب؟ فالمجلس الأعلى للحسابات مؤسسة مستقلة واختار لها المشرع أن تكون كذلك حتى لا تقع تحت رحمة أي مسؤول في الحكومة. لكن ما لا تريد أن تفهمه حكومة بنكيران هو أن المؤسسات المستقلة عن الحكومة لا يمكن أن تنفذ عملها دون استعمال أدوات الحكومة. فالمجلس الأعلى ليس سلطة اتهام. المجلس يوجه الاتهام للمعنيين بالأمر لكن سلطة الاتهام إلى حدود إقرار القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للقضاء هي بيد وزير العدل والحريات. وبالتالي الذي من حقه تحريك المتابعة هو الحكومة التي يترأس عضو منها النيابة العامة. غير أنه يبدو من خلال التقرير أن الحكومة، وخصوصا جزأها الملتحي، ستدخل في صراع مع المجلس الأعلى للحسابات، الذي لم يرحم أحدا كما تفعل جهات أخرى مكلفة أيضا بتدبير الحكامة الجيدة. فالمجلس الأعلى شن هجوما عنيفا على التدبير في بلدية
القنيطرة
. البلدية التي يترأسها عزيز رباح، وزير التجهيز والنقل واللوجيستيك وهي الوزارة العمدة في حكومة بنكيران. فهل اتهام رباح بسوء التدبير سيحرك الأفاعي ضد جطو؟ لكل أجل حساب. ويوم الحساب آت لا ريب فيه. وهناك من لا يضع يوم الحساب أمام عينيه ويريد جنة الحكومة ولا يرغب في جنة غيرها. فالضربة التي وجهها جطو للتدبير الذي يقوم عليه رباح
بالقنيطرة
رسالة قوية. كيف لمن عجز عن تدبير بلدية وارتكب الكثير من الأخطاء أو الخطايا ألا يكون في تدبيره للوزارة خطاء كبيرا؟ لكن المغرب اليوم أمام امتحان صعب. والحكومة في فوهة مدفع. فتقرير المجلس الأعلى للحسابات كفيل بالتأكيد على جدية الحكومة في اعتماد آليات الحكامة الجيدة أم استمرارها في الخطاب الدعائي البعيد عن الواقع. فلا فائدة من تقرير لا تتبعه إجراءات. وأستغرب لمن يرتب عن المواقف أحكاما فقهية ألا يرتب عن التقارير متابعة قضائية.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

