لا أحد يناقش في أهمية وجدوى عملية وضع الأموال العامة تحت المجهر لمعرفة أين وكيف يتم إنفاقها وصرفها، كما لا يجادل أحد في اعتبار هذا العمل مجهودا وطنيا ومواطنيا من المفروض أن يدعمه كل مواطن ولو بالدعاء الصالح لمن يقوم به. في كل مرة يقال إن الدولة عازمة على مراقبة المصاريف العمومية وفرض الحكامة الجيدة في هذا المجال على مختلف المجالات والقطاعات المعنية. لكن هذه المرة، تشمل العملية الأبناء القاصرين للمسؤولين الكبار سواء أثناء مزاولتهم مهامهم أو خلال الانتهاء منها أو الذين يتم تعيينهم فيها. وفي هذا الصدد، قرر المجلس الأعلى للمحاسبة بأن يشمل القرار الجديد أعضاء الحكومة، والبرلمانيين، والولاة، والعمال، وقضاة المجلس الأعلى للمحاسبة وأعضاء الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. بمعنى أن هؤلاء معنيون مباشرة بالتصريح الإلزامي بالممتلكات، المنظم من طرف ظهير مؤرخ في شهر أكتوبر سنة 1980. لا يمكن للمواطن إلا أن يشعر بالارتياح حين يسمع أن إجراء على هذا المستوى سيتم العمل به. كما أن الموظف المعني لا يمكن إلا أن يكون أكثر ارتياحا لذلك، لأن هذا الإجراء ضروري ووطني من جهة، ولأنه، من جهة ثانية يبرئ ذمته أمام الملإ. لقد تعبنا من سماع أن المسؤول الفلاني يملك كذا وكذا من الأراضي والعقارات هنا وهناك، وأن كل ما يملك وما بين يديه مسجل في اسم الزوجة والأبناء لدرجة أصبح معها الموظف العادي يبادر هو الآخر إلى تسجيل أي شيء يدخل في إطار الممتلكات باسم الزوجة والأبناء لدرء
العيون
المتربصة به، ولضمان بقاء هذه الممتلكات داخل الأسرة في حالة ما إذا تعرض لمساءلة ومحاسبة. هذه الثقافة يجب أن تمحى من الوجود والذاكرة لأنها تشكل مرجعية للتحايل والتهرب لكل من في “كرشه عجين”، ويصبحون بالتالي نموذجا يحتذى به في المجتمع، ويتحول الأمر إلى قاعدة يعمل بها الموظف والمسؤول. لذلك، لا بد من المحاسبة والحساب بالريال والسنتيم إذا أردنا التفعيل الحقيقي للحكامة التي لن تقوم لها قائمة بدون تصريح شفاف وبتفصيل التفاصيل حتى لا يظل هناك جانب أو موقع بعيدا عن الحساب والمحاسبة. وإذا كان القانون يضع المغاربة على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، فإنه يكون من الصعب تقبل إخضاع موظف عادي للمحاسبة واستثناء موظف أعلى درجة لنفس الإجراء، مما يضع مفهوم الحكامة الجيدة في موضع غير جيد، وبالتالي يفتح المجال للتلاعب ما دام أن الرأي العام لن يعطي اهتماما للحديث عن هذا المفهوم. ولا بد من القول إننا أضعنا وقتا ثمينا في هذا المجال. ومع ذلك فإن الفرصة الآن متاحة لتحريك المسطرة الخاصة بهذه المهمة التي تبقى نبيلة في حد ذاتها، وتنزيل المقتضيات التطبيقية بشأنها لا فرق بين فلان وعلان، ولا بين عباس وفرناس. هذا هو السبيل على المواطنة الحقة، أن يشعر الجميع أنهم مواطنون حقا لا مجال فيه للاستثناءات. ولعل الخطوة الأولى لتجاوز الاستثناء من المحاسبة، أن يتفضل كل معني بالأمر بالخضوع للمحاسبة بكل تواضع ونبل، ويبادر كل مسؤول بتقديم النموذج من تلقاء نفسه حتى يكون لمبادرته معنى. إن الحكامة الجيدة مطلب دستوري من المفروض أن يأخذ به المواطن باعتبارها الوسيلة الناجعة والفعالة لإبعاد الشبهات ولو كانت من صنف الشائعات، علما بأن الشائعة تقتل وتسري في المجتمع مثل النار في الهشيم. وهي فرصة لإنزال وتنزيل الحساب والمحاسبة بالشكل المطلوب ولو اقتضى الحال البحث عن الريال والسنتيم بالفتيل والقنديل. الأمر يتعلق هنا بالقيمة الحقيقية للمواطنة، وبالمصالح العليا للوطن. ودون ذلك هدر ولغو.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

