على قدر فرحتها باستقبال مولودتها الثانية.. على قدر حجم المرارة التي تكتوي بنارها والغصة التي ما تزال تستشعرها في صدرها وكأن جسما غريبا ينزل بكل قوته على جهازها التنفسي العلوي.. تشتكي لكل من تأتي لزيارتها وتهنئتها بالمولودة الجديدة . ـ كنت سألد بشكل طبيعي.. ـ الله ياخد فيها الحق.. لم تمهلني لأكمل مراحل الولادة بسلام.. وتزداد أحاسيسها بالمرارة كلما استشعرت ألم الخياطة بعد تغييرها لوضعية الاستلقاء أو الجلوس ـ إنها ليست آدمية.. إنها .. الله ياخد فيها الحق.. ـ إنها مولدة بمستشفى الولادة ابن سينا، جسم بلا روح أو قلب أو مشاعر إنسانية.. هكذا تصفها لكل من تدخل عليها مهنئة.. تحكي حياة تفاصيل مخاضها.. وكيف أنها صبرت وقاومت بكل ما أوتيت من قوة آلام المخاض.. وكيف كانت تتوجه إلى الله بالدعاء كلما تواترت تقلصات رحمها معلنة قرب خروج المولود.. لتنتقل إلى قاعة الولادة.. وهناك بدأت تفاصيل مأساتها.. حيث لم تمهلها القابلة ولو للحظات لتلد ولادة طبيعية.. فأسرعت بإحضار المقص على مرأى منها.. وشقت العجان.. وبعد خروج المولودة.. غابت القابلة للحظات.. وحياة تعاني من ألم آخر بسبب عدم إخراج المشيمة.. لتصرخ حياة طالبة النجدة من بعض المتدربات ممن كن في القاعة.. اللواتي أسرعن للبحث عن القابلة، وعندما عادت لم تصدق أنها لم تخرج المشيمة.. وبعد قيامها بهذا العمل.. حقنت حياة بمادة التخدير لتشرع في خياطة منطقة العجان، التي أصبحت من ضروريات الولادة في المستشفيات!! وبعد الحقن.. أقبلت زميلة القابلة، فأخذتا يتبادلان أطراف الحديث وهي تقوم بعملها.. وفجأة رن هاتفها المحمول.. فتوقفت القابلة عن عملها ببرودة، أبردت معها مفعول البنج.. لترد على المكالمة.. ثم استأنفت عملها وكأنها تخيط بردعة تقول حياة.. وعند نهاية مهمتها العسكرية.. توجهت صديقة القابلة بالحديث إلى حياة قائلة: واحنا مغادي نحضرو لسبوع.. مغاناكلو رفيسة.. وما شفنا منك والو..، في إشارة إلى غياب التدويرة.. لتفهم الأم أخيرا.. أن ما تعرضت له من معاملة مهينة كان سببه عدم تقديم التدويرة، التي أصبحت باعثة الرحمة والإنسانية في قلوب بعض منعدمات الضمير من العاملات والعاملين بالمستشفيات العمومية بالمملكة.. وحال حياة لا يختلف كثيرا عن حال الكثيرات ممن يقودهن حظهن إلى أيدي أمثال هاته االقابلة، بل قد يكون خفيفا أمام ما نسمعه يوميا من قصص مسرحها قاعات الولادة بالمستشفيات العمومية، والتي تنتهي أحيانا نهايات مأساوية لا تشفع لعدم تكرارها من جديد.
المصدر: الحسنية الهواني نشر في التجديد

