تتفوق شوارع المدن المغربية على نفسها في نسل وتفريخ أناس يجوبون الأزقة بمظاهر غريبة ويتحدثون بلغة لايفهمها إلا الراسخون في العته، وهي ظاهرة قديمة حديثة تلبس كل مرحلة لبوسا مختلفا. في شارع محمد الخامس تقابلني امرأة خمسينية كل صباح أمام مقهى باليما وهي ومزاجها فأحيانا تسدي النصح والتوجيه للمارة بأن تقول افعل كذا ولاتفعل كذا، وأحيانا ترطن بكلام غير مفهوم لا يستطيع أحد فك شفرته. وكل هذا بصوت مرتفع كأنما تود أن تبلغ رسالتها، وما تراه إلى أكبر عدد من المارة. في إحدى حدائق الرباط ، عُرفت خمسينية أخرى في كامل زينتها، تضع نظارتين سوداوين، حذاء بكعب عال ومسجل تقربه من أذنها، ينطلق منه صوت أم كلثوم، فترفع عقيرتها بالغناء، وكأنها تنافس الست، أو تقلدها أو تتماهى معها، فكل شيء ينم على أنها هي كوكب الشرق، في الصوت، في طريقة اللباس وحتى في المنديل وتلك الميلة نتيجة لموال مؤثر. الفرق الوحيد هو أن أم كلثوم الحديقة تغني مشيا للعاطلين والمتسكعين والمتقاعدين غير المبالين بها وبفنها العظيم، بينما الأخرى لاقت النجاح الكبير. كنت يوما أطل من شرفة البيت فشاهدت في الشارع رجلا بدا أنيقا لكنه أخذ يرفع يده عاليا كأنه كي خوتي يحارب أعداء وهميين ويتوعدهم بالنيل منهم، والفتك بهم إن هم لم يتركوه وشأنه، وطبعا تمكنت من سماعه على بعد المسافة بيننا لأن صوته كان مرتفعا جدا. قدرت حينها أنه فقد عقله لتوه، وتمنيت أن تجده عائلته لتذهب به إلى مستشفى للعلاج النفسي. وبعد مدة قصيرة، صادفته بأناقته ذاتها وبسلوكه الغريب عينه فقدرت أن ذلك ديدنه، وأنه معتاد على الخروج إلى الشارع لقتال أعدائه الوهميين. وبكل صراحة، آلمني وضعه كما وضع الآخرين ولمت عائلاتهم التي لم تستطع حمايتهم من نظرات الناس والشارع وربما ما قد يتعرضون له من أذى أو ما قد يتسببون فيه للآخرين. في أحد الأيام، هاتفني أحد الأصدقاء بغرض دعوتي للعشاء، وقال أنه سيمر علي ليصحبني بسيارته. خرجت أنتظره فصادفت خمسينية ثالثة، كنت أعلم أنها أيضا مثل رفقتيها السابقتين، ليس لأني مختص في كشف من يعاني من مرض نفسي، ولكن ببساطة لأني كنت أعرفها وشاهدتها أكثر من مرة، تصرخ وتهاجم شخصا لا يبدو إلا لها. مرت بجواري وهي ترمقني بنظراتها النافذة. تحاشيت النظر إليها تحسبا لأي طارئ، وإن كنت أرقبها بطرف خفي. تجاوزتني بخطوات بطيئة ووقفت جواري دون أن تزيل ناظريها عني، ولما لم أتحرك، عادت من حيث أتت ووقفت على بعد مترين فقط من جانبي الآخر. وبعد مدة عادت إلى الجهة الأخرى، واستمر الوضع كذلك إلى أن حضر صديقي ليخلصني من حالة جميلة كنت أعيشها، إذ كنت أتساءل عن سر تلك النظرات وكيف تراني تلك السيدة؟ وهل أنا موجود في نظرها أم عدم؟ وهل أنا عاقل كما أتصور أم أنني المجنون؟ لن أخفي أمرا إن قلت أني لست متأكدا من منا المجنون ومن العاقل، لكني أكيد أن الكل يتحمل المسؤولية في ماقد يترتب عن اختلاط المجانين والمجانين.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

