انقطعت بعبد السلام السبيل، ولم يعد له من باب يلتمسه سوى أن يمد يده إلى السماء يطلب لطف الله. ضاقت الأرض عليه بما رحبت، وظن أن الموت آتية لا ريب فيها، وأماراتها تحيط به من كل جانب، فصار يشدو بترنيماته التي حفظها أيام الصبا، يقرأ بردة البوصيري، وألفية ابن عاشر، وألفية ابن مالك، والبيقونية والشاطبية، يشدو بتلك الألحان لعلها تريح نفسه التي أعنتها طول التفكير. لم يكن آي القرآن يفارق شفتيه، كان إذا اشتد به المرض وأخذ منه الألم كل مأخذ نادى ابنه يقول:
– إن هذان ساحران كيف تعربها يا بني؟ كان الولد النجيب يهون عليه شدة مصاب والده، فيخفف عنه، ويأتي له بشرح ألفية مالك، ذلك الكتاب التراثي الأصفر الذي تناثرت أوراقه وأصابه البلى، كان يفتحه وهو يجيب والده، ويقول: – وهل ينسى درس: إن تفيد هنا نعم، وهي غير ناسخة في هذا السياق لم يكن عبد السلام يفارق في ظلال القرآن كان شديد التعلق بتأملات سيد قطب وسياقاته، حتى إذا ما حزبه شيء دعا ولده ورفقاءه الذين يترددون على بيته، ويقول لهم: – يا أبنائي، ليس في هذا العالم أشر وأنذل من الصهاينة العتاة، ملأوا الدنيا فسادا، وتربصوا بالمسلمين الدوائر لم يكن مرض عبد السلام يمنعه من القراءة، ولم يكن يصرفه عن الحفظ – أمنيته المفضلة – أي صارف. كان يعشق أن يحصل كل مسائل القرطبي في جامع أحكامه، ويمضي الأوقات الطوال وهو يناقش أحاديث الموطأ. لم يكن يأبه كثيرا بالعرض الذي عرضه عليه أحد البرلمانيين حين قال له: – سألتقي بوزير الصحة، وسأتدخل لك كي تقوم بتصفية الدم ثلاث مرات كل أسبوع في مستشفى ابن سينا بالرباط كان عبد السلام يرد على مثل هذا الكلام بشموخ وعزة نفس: – أنا أتعلق بباب الله، فإن يسر الله أكن من الشاكرين، وإن قضى أمره فلا معقب لحكمه لم يخلف البرلماني وعده، وأنى له وقد سمع من فضائل الرجل ما سمع، ورأى من عفته ومن حسن خلقه ما رأى، حتى إنه أسر لولده يوما: – ليس بأمثال هذا الرجل نلعب السياسة، هذا رجل حق لكل الناس أن يقفوا بجانبه. لم يطل الوقت حتى حصل البرلماني من السيد وزير الصحة على رسالة خطية، من جنابه إلى السيدة البروفيسور المكلفة بمرض الدياليز الدموي بمستشفى ابن سينا بالرباط رسالة كريمة، تعطف على الرجل، وتلتمس أن يحظى عبد السلام بكامل العناية والتقدير. خطف الولد الرسالة، وامتطى القطار السريع، وفي مستشفى ابن سينا، انتظر طويلا حتى أقبلت امرأة يظهر من ملامحها الإخلاص في العمل وطول التجربة. – أدخل يا ولدي، ما هي مشكلتك؟ – لقد سلمني السيد الوزير رسالة خطية، يلتمس منك سيدتي الفاضلة أن تجدي للوالد مكانا في هذه القاعة حتى يتمكن من تصفية دمه على الأقل مرتين في الأسبوع كانت المراة تنظر إلى الولد بعين الإشفاق، وتبصر في عينيه معاني التذمر، وتدرك أن الابن ينتظر فرج السماء، ويؤمل كثيرا فيها. كانت تنظر إلى توثبه لخدمة والده، لكنها تخشى أن تصدمه بكلمة قاسية: – اسمع يا ولدي، في هذه القاعة مرضى كثر، لو أدخلت والدك عليهم لأربكت نظام العمل – لم أفهم سيدتي، أين المشكلة بالضبط؟ – السيد الوزير يفهم جيدا أننا لا نتوفر على أجهزة كافية تسمح لنا باستقبال مزيد من المرضى، ولو أننا استجبنا لرسائله التي تأتي كل مرة، لساهمنا في موت كثير من المرضى معنى هذا سيدتي الفاضلة أن والدي لن يستفيد، فلماذا إذن سلمني الوزير هذه الرسالة إذا كان يعرف أنك لن تقبلي ذلك؟ أجابت السيدة الفاضلة بجواب صارم: – هذا سؤال يوجه للسيد الوزير. قل له بالمناسبة، إذا كان يجد سهولة في كتابة الرسائل، ولا يتكلف بتوفير الأجهزة الضرورية، فأنا أجد صعوبة في استقبال المرضى يبدو أن الولد المسكين دخل في لعبة سياسية كبيرة لم يدرك خيوطها ودلالاتها. لقد جاء ليحل مشكلة والده، فصار مطلوبا منه أن يتردد بين الوزير والسيدة البروفيسور ليحل مشكلة الصحة بالمغرب. رجع الولد كئيبا حزينا إلى البيت، فوجد الوالد مستبشرا فرحا، يمسك بتفاحة جميلة، ويعمل فيها أسنانه الاصطناعية، ويترنم: عليك كل اعتمادي أيها الصمد** ما خاب عبد على مولاه يعتمد دخل الولد على أبيه، ووجده غارقا في أنشودته الإيمانية، مستحضرا معانيها، متدبرا سياقاتها. كان يخشى أن يفصح له عما جرى له في الرباط ، وكان لا يريد أن يقطع على أبيه متعته ولذته. أزاح الولد الهم عن صدره، وأوكل أمره إلى الله، وصار يردد مع عبد السلام: – أنت اللطيف الخبير المستعان به** عند الخطوب ومنك العون والمدد.
المصدر: بلال التليدي نشر في التجديد

