لم يخرج الشعب الفلسطيني في مظاهرات عارمة من أجل المطالبة بالديمقراطية، ليس لأنه شعب متخلف لا يحب التعددية (الفلسطينيون يمارسون الديمقراطية منذ عقود طويلة انتخابات في مؤسسات المجتمع المدني الطلابية والنقابية)، بل لأن الأولوية هي دحر الاحتلال الذي كان وما زال متحكماً بالأرض والفضاء والبحر والماء والكهرباء.
الذين طالبوا الشعب الفلسطيني بالديمقراطية هم أنفسهم الذي يطالبونه اليوم بتأجيلها، فعندما كان عرفات رئيساً منتخباً طالبوه برئيس وزراء ذي صلاحيات ولم يطالبوه بانتخابات رئاسية جديدة على رغم حرصه على ذلك لتجديد بيعته والعودة إلى التفاوض باسم الشعب الفلسطيني بعدما أعلنوه أمريكياً وإسرائيلياً رجلاً غير ذي صلة كما كان يقال. عندما قتلوا عرفات لم تمض سوى شهور قليلة حتى وفروا البيعة للسيد محمود عباس في انتخابات رئاسية خافوا من أرقامها الهزيلة فسمحوا للناس بالتصويت على الهوية بدل سجلات الناخبين من أجل القول إنه يحمل تفويضاً من الشعب الفلسطيني؛ ليس حباً به بالطبع، فالفلسطيني الجيد بالنسبة لشارون هو فقط الفلسطيني الميت، ولكن حباً ببرنامجه المعلن القائم على رفض العسكرة ومن ثم التفاوض ولو إلى يوم الدين، لأن العنف هو سلاح القوي وليس الضعيف!! بعد التفويض المذكور (لم يطالبوه برئيس وزراء ذي صلاحيات!!) كان لا بد من تفويض آخر لحزب السلطة (حركة فتح)، فتحدد موعد الانتخابات التشريعية، وكانت مشاركة حماس فيها أكثر من ضرورية بالنسبة للجميع، وبالطبع من أجل توفير الشرعية للمجلس الجديد وحتى لا يطعن أحد في قراراته وتوجهاته (السلمية بالطبع)!! كان المطلوب هو مشاركة من حماس تمنح المجلس ما يكفي من الشرعية، لا أن تأخذ شرعيته أو جزءً كبيراً منها، وحين تبين أن الموقف سيكون صعباً بسبب صعود الحركة في الشارع الشعبي كان الانقلاب على مشاركتها أمريكياً وأوروبياً وإسرائيلياً، وبتواطؤ مع السلطة وقادة فتح الذين قال أحدهم ممن تمتع طوال حياته بمزايا القادة ولم يدخل سجناً ولا حمل بندقية، إنهم لم يناضلوا أربعين سنة من أجل منح السلطة لحماس!! من أجل أن يتمكن حزب السلطة الفلسطينية من ترميم أوضاعه ويكون قادراً على الفوز طالب البعض بتأجيل الانتخابات، ولو أعلنت حماس غداً أنها لن تشارك فيها بصرف النظر عن وقت إجرائها، وأنها ستسعى إلى إجماع وطني على برنامج لمواجهة مخطط شارون، لو حصل ذلك لجاء السيد عمر سليمان ومعه آخرون من أجل ثنيها عن قرارها، فالضرورة تقتضي إجراء الانتخابات ولكن على مقاس فتح، وليس صحيحاً أن شارون والأمريكان لا يريدون مشاركة حماس لأن شرعية المجلس المنتخب ستكون منقوصة، وإذا كان التشكيك مبرراً في كل الأحوال، فإنه اليوم أكثر رسوخاً بعد نتائج الانتخابات البلدية وصولاً إلى تأجيل التشريعية التي لا يستبعد تأجيلها، اللهم إلا إذا أخذت السلطة ضوءً أخضر بالتزوير مستعينة بالخبرات والخيرات العربية والدولية!! ليس مهماً سبب التأجيل، فهاهي الدولة العبرية توفر ذريعة القدس ، مع أن أحداً فيها، بما في ذلك شارون، لا يريد استيعاب سكان القدس الشرقية في الدولة، وتبقى ذريعة الأمن متوفرة في كل الأحوال، ولدى فتح القدرة على إشعال الفلتان الأمني وفرض التأجيل بأسلوب “البلطجة”!! هكذا يبدو الشعب الفلسطيني أسيراً لهواجس تنظيم بعينه؛ يحصل على الأغلبية ويواصل سيطرته على السلطة أم لا، أما القضية التي يعمل شارون على جعلها مجرد نزاع حدودي هامشي في الأروقة الدولية فلا تستحق الاهتمام، ولا قيمة بعد ذلك لرأي الشارع فيما يجري، لاسيما حين تفرز حركة فتح كتلتين انتخابيتين قبل أن توحدهما من جديد، مع أن أحداً لم يجب على سؤال الفرق بينهما ما دام مروان البرغوثي ومحمد دحلان وجبريل الرجوب أسماءً أساسية في كل منهما قبل الافتراق؟!
المصدر: ياسر الزعاترة نشر في التجديد

