بعد أن اتضح أن تيارات راديكالية ليس لها لا في العير ولا في النفير، ولا تتقن سوى أسلوب الهروب إلى الأمام كي لا ينفضح أمرها، بدأت بعض الأحزاب ومنها من كان ضد حركة 20 فبراير وضد الإصلاحات لأنها لا تخدم أهدافه، في لعب لعبة غامضة يستعد لها عبر التجييش وحشد الأنصار واللعب على الوتر الحساس للمواطنين، وأعلن أنه إذا لم تتم الاستجابة لمطالبه ومقترحاته بشأن الدستور فإنه سيصوت عليه بالرفض. التصويت بالرفض أو القبول حق من الحقوق التي لا يمكن أن يزايد بها أحد، بل هي أس الديمقراطية الانتخابية وجوهرها لكن أن يتم استغلال المراجعة الشاملة للدستور لإحداث الفتنة فهذا غير مقبول، ولا تستسيغه الأعراف الديمقراطية. بدت هذه الأحزاب كمن يريد الزبدة وثمنها كما يقول المثل الشعبي أو عيني فيه وخزيت منو. لكن الذي تنساه هذه الأحزاب هو اللجنة الاستثارية لمراجعة الدستور وآلية التتبع والمشاورة لهما دوران لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وإذا تم الاعتماد على معيار واحد لم يعد هناك دستور ولكن فوضى مكتوبة على الورق. فاللجنة تقوم باستخلاص العبر والمقترحات من مذكرات الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، وحاولت اللجنة أخذ كل المقترحات بعين الاعتبار وتضمينها في الوثيقة الدستورية
الجديدة
، وتقوم ثانيا بملاءمة كل هذه الاقتراحات مع القوانين. وهل يمكن للجنة أن تدون مقترحات كل حزب في الدستور الجديد؟ طبعا لا وهذا مستحيل استحالة إجرائية ومنطقية وقانونية. مستحيل استحالة إجرائية لأنه لا يمكن جمع كل ما كتب واعتباره دستورا، فهذا سيعبر تقريبا عن مقترحات الأحزاب والجمعيات والنقابات، وبالتالي سنكون أمام مجلد ضخم وليس أمام وثيقة دستورية تضبط عمل المؤسسات. ومستحيل منطقيا لأن منطق الأشياء يفرض في اللجنة الغربلة والاختيار ومقارنة الاجتهادات قبل إقرارها وبالتالي لا يمكن أن تستجيب اللجنة لكل المطالب. ومستحيل قانونيا لأن اللجنة تضم فقهاء في القانون والدستور ومن تمة فهي مكلفة بالتدقيق القانوني في كل المقترحات. إن التهديدات التي رفعتها الأحزاب المعنية بالمقاطعة أو التصويت بالرفض ليست ذات معنى، فليس من حق الأحزاب التي تجتمع لآلية التشاور أن تفرض رأيها على الجميع، وليس من الأخلاق الضغط على اللجنة قبل عرض الدستور للنقاش العمومي. إن محاولة الضغط على اللجنة عن طريق التهديد والوعيد لا يدخل في نطاق العمل السياسي والتنافس الديمقراطي والقبول بالآخر وبالتالي هو يؤثر على عمل اللجنة وتدخل سافر في توجيه مسارها وهذا أيضا ليس مقبولا بالبت والمطلق. هل يمكن أن يقول عاقل إنه مستعد ليملأها علينا خيلا ورجالا إذا لم تستجب اللجنة لمطالبه، هذا تهديد واضح بغية إشعال نار الفتنة.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

