مشكلة بعض المناضلين أنهم أصبحوا كالعانس، التي فاتها قطار الحياة، بعد أن تقضي ليلة هنا وليلة هناك وتظهر تجاعيدها تشرع في النحيب وتذكر الماضي وقد تثور ضد الأهل والأحباب وحتى ضد ولي أمرها، لم أجد أحسن من ذلك للحديث عن المناضل الخالد الذي لا تخلو منه احتجاجات
الرباط
رافعا صوته وعقيرته مع كل شيء وضد كل شيء ومن أجل لا شيء، لأنه محترف نضال، والمحترفون للنضال أو المناضلون المحترفون متفرغون لهذه القضية ومنها يأكلون ويشربون وبها يأكلون ويشربون ويربطون حرفهم الأصلية ومهنهم بها حتى تتحول هي إلى المهنة الأولى وتصبح المهنة الأصلية ثانوية. المناضل الخالد في الحركات الاحتجاجية تعرض لحادثة شغل وهو يمارس مهنته
ببيروت
، قلعة النضال القومي، وكان حينها متوفرا على تأمين من آخر القومجيين، حادثة الشغل، التي وقعت للمحامي المتعلق بأهداف رشيد نيني، عليها شهود حضروا مؤتمرا
ببيروت
، وبينما كان المناضل الخالد يزايد على معارض عراقي سابق عاد لبلاده بعد تنحية صدام حسين، وردد على مسامعه أسطوانته القومية أي إن المعارضة العراقية دخلت بغداد على متن الدبابات
الأمريكية
. وأطلق المناضل الخالد العنان للسانه لكن المعارض العراقي السابق نفد صبره فأخرج ورقة من ملف يحمله معه، وهو الخبير بالمرافعات السياسية، ولم تكن الورقة عادية بل كانت من العيار الثقيل. إنها صورة لكوبون حصل عليه “مناضلنا” من حكومة صدام حسين في عز الجوع العراقي، حيث وصل راتب المعلم أقل من خمسة دولارات وفي وقت كان العراق يعيش مرحلة النفط مقابل الغذاء أي يبيع النفط ليشتري به الأكل ويعالج به المرضى. لم تكن قيمة الكوبون سوى 10 آلاف دولار ربما كانت المقابل للمسيرة التي خرج على رأسها المناضل الخالد، وقيمة الكوبون كانت تساوي حينها، في ظل انهيار الدينار العراقي، راتب ألفي معلم. نزلت القضية على المناضل القومي الخالد كالصاعقة فأصيب بوعكة صحية خطيرة تم نقله إثرها من
بيروت
إلى عمان للعلاج وفي طائرة خاصة، فمن وفر ثمن الطائرة وثمن العلاج؟ ومن تكلف بفترة النقاهة؟ نعتقد أن شركة التأمين القومية، ليست شركة حقيقية ولكن الأنظمة القومية هي التي تكلفت للمناضل الخالد بكل تلك التكاليف وربما تلقى التعويض الخيالي عن حادثة الشغل المذكورة. المناضل القومي والمحامي، الذي لم يعد يجد ما يملأ به وقته بعد انهيار الأنظمة القومية، قال في المحكمة ينبغي اعتقال الملك. جملة واحدة ودون مقدمات. قال خالد السفياني، مرافعا عن رشيد نيني، مدير يومية “المساء”، إن وكيل الملك الذي أمر باعتقال نيني لكونه شكك في أحد أعمدته بتفجيرات 16 ماي عليه أن يأمر باعتقال ملك البلاد لأنه اعترف بوجود تجاوزات في ذاك الملف في الحوار الذي أجرته معه جريدة “ألباييس الإسبانية”، ولكون المحكمة تحكم باسم الملك وبعد اعتقاله عليها اعتقال الشعب لأن تسعين في المائة يشككون في التفجيرات كلها. يسمى هذا الكلام في عرف علماء الأصول بقياس إبليس، ومن تبع إبليس لسانه أسقطه في الكلام الذي لا معنى له، فالملك كان جريئا عندما قال إن هناك تجاوزات والملك كان جريئا عندما قرر العفو عن مجموعة من المعتقلين في الملف المذكور، وعندما قال الملك إن هناك بعض التجاوزات لم يكن ليشكك في أحداث 16 ماي الإرهابية ولا في فاعلها بالمفرد أو بالجمع. إن ما فاه به السفياني لا يعني شيئا غير “الضسارة” وغير البحث عما يعلق عليه فشله في أن يكون مناضلا حقيقيا، وليس صاحب قصة
بيروت
هو من يحق له أن يعطي الدروس في القانون خصوصا أنه أثبت أنه نسي حرفة المحاماة عندما قال إن النيابة العامة ليس لها الحق في متابعة نيني ما دامت ليس هناك شكاية، مع العلم أن النيابة العامة لها الحق في تحريك الدعوى، وهل ننتظر حتى يشكو مواطنون بمجرم معروف حتى نعتقله أم إن السلطات عليها بالمبادرة؟
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

