مرة قال رضا مالك، رئيس الحكومة الجزائرية السابق، في أحد تصريحاته، إن الدولة فشلت في تنظيم مجتمع صحيح وعصري يتمتع بقدر من الحريات الأساسية. وفي الحقيقة، فإن مالك لم يقل سوى ما يعرفه ويعيشه الجميع في بلد يخضع للقبضة الحديدية للعسكر الذي يبرع في تصريف المشاكل الداخلية عبر مشاجب يختارها بعناية، ثم يقوم البحث عن قنوات تصدير الأزمات التي تهز البلاد إلى الخارج. إن فضيحة “سوناطراك” التي تهز البلاد، كانت في علم أركان النظام بكل تفاصيلها المملة منذ سنوات، لكن المتحكمين في زمام الأمور كانوا ينتظرون أن “تنضج” الظروف، وتينع الرؤوس قبل قطفها. ولما حان أوانها لم يترددوا في إخراج السيناريو المعد سلفا، والمتمثل في اتهام وزير الطاقة السابق، شكيب خليل، المقرب جدا من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بتهم ثقيلة تتعلق بتكوين شبكة للجريمة المنظمة، وتبييض الأموال، وتلقي عمولات صفقات الشركة المذكورة منذ أكثر من ثمان سنوات. كأن الدولة بعسكرها الحاكم وبوليسها المتحكم كانت في “دار غفلون”، ولم ينتبه أحد، من عيونها وآذانها وأدواتها، لفظاعة الجريمة إلا مؤخرا. ألم يرتب مسؤول الطاقة الجزائري كل أموره الخاصة المتعلقة بممتلكاته وسفره/ هروبه على مرأى ومسمع من الجميع، ويغادر البلاد سالما غانما إلى
الولايات
المتحدة
الأمريكية
التي يحمل جنسيتها التي قد تنفعه في اليوم الأسود؟ ليس النظام مغفلا إلى هذه الدرجة؛ لقد ظل يبحث عن الوقت المناسب لتنفيذ التغطية القانونية (إصدار مذكرات توقيف دولية وتوجيه تهم ثقيلة) للشخصية السياسية المقربة من بوتفليقة، وبالطبع من النظام (شكيب خليل). وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على صراع الأجنحة داخل النظام المنخر بجميع أنواع الفساد الإداري والمالي والمعنوي؛ وإلا من كان يستفيد من صفقات “امبراطورية سوناطراك” العملاقة التي تعتبر دولة داخل الدولة سواء قبل سواء قبل شكيب أو بعده؟ وما أسباب التأخر الطويل المدى بالتدخل المناسب في الوقت المناسب لوضع اليد على جميع رؤوس الفساد؟ من المؤكد أن الصراعات حول المصالح والمنافع والامتيازات من العوامل – إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بالسلطة – هي التي حالت دون ذلك، بل هي التي كانت وراء إهدار ملايير الدولارات (أكثر من 60 مليارا) التي كان بإمكانها التسريع بتنفيذ مشاريع التنمية في مجالات البنية التحتية, والأشغال العمومية، والسكن… والتي بسببها يتظاهر يوميا المواطنون الذين أعياهم انتظار تنفيذ شعارات النظام القاضية بمحاربة الفساد. الآن، عبد العزيز بوتفليقة مريض؛ بعيد عن القرار و… خارج التغطية. الآن، ترتفع بعض الأصوات تطالب بتطبيق المادة 88 من الدستور المتعلقة بحالة الشغور، وبالتالي إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. لكن، هل العسكر يستمع ويستجيب لهذه المطالب؟ ما يبدو لحد الآن هو أنه ينتظرانتهاء ولاية الرئيس المريض، وفي الوقت نفسه هو منهمك في إعداد الوجه الجديد للنظام القديم الذي يدين له بالولاء ويكون قادرا على خدمة مصالحه. قبل ذلك، كان لابد من إشغال الشعب والوسط السياسي والإعلامي بفتح ملفات فساد من العيار الثقيل، والبحث عن مشاكل وأزمات لتصديرها إلى الخارج (تارة محاربة الإرهاب، خاصة ما يقع على الحدود التونسية الجزائرية، أو فتح موضوع تهريب البنزين الجزائري خارج الحدود، أو قضية الشروط التعجيزية لتطبيع العلاقات مع المغرب…). إن الشعب يعرف ويرى بأم عينيه انعدام المشاريع التي من شأنها التخفيف من حدة وآثار الفوارق الاجتماعية، ويكتوي بنار البطالة، ويتابع تورط رموز الدولة في فضائح الفساد، وعلى علم بنشاط الجماعات المسلحة في الجنوب، ويعاني من فضيحة أخرى لا ناقة له فيها ولا جمل؛ وهي فضيحة الدعم اللامشروط والمبالغ فيه لدمية صنعها النظام ويوليها بكل الرعاية والعناية والسهر لعصابات “البوليساريو” التي تستنزف خيرات وأرزاق الجزائريين كان من الأولى أن تخصص لمشاريع تنموية تفيد البلاد والعباد.
المصدر: النهار المغربية نشر في النهار المغربية

