في تحرك يائس ونفاق ظاهر، تحاول الإدارة الأمريكية عبثا جبر ما أصاب سمعتها ومصداقيتها المتهاوية في أذهان وعيون العالمين الإسلامي والغربي.
بعدما فقدت إدارة المحافظين الجدد الأمل في الحد من الأضرار التي لحقت بها وبالبلد الذي تطلق الحروب باسمه، بسبب فضيحة تعذيب العراقيين وانتهاك أعراضهم في معتقل أبو غريب، بدأت شن حملة لتجميل صورة في مراكز الاعتقال ومحاكم صورية في العراق. وهكذا، اهتدت القيادة العسكرية الأمريكية إلى تنظيم زيارات لمجموعة من الصحفايين والمسؤولين العراقيين لأحد معسكرات الاعتقال، بعدما قامت بتجميلها ليظْهَر المعتقلون فيها وكأنهم يتلقون معاملة السياح في فنادق 5 نجوم. وبموازاة ذلك، بدأ الاحتلال الأمريكي منذ الأربعاء الماضي يجمل نفسه وصورته أمام العراقيين والعالم عبر محاكمة خاطفة لجلادي سجن أبو غريب الذين نفذوا الانتهاكات بحق الأسرى، والتي تبين أن المخابرات العسكرية هي التي حرضت عليها، مع إقرار وزير الدفاع رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز والقادة العسكريون الآخرون بوجود أخطاء جسيمة للاحتلال، فيما بدأ، في الوقت نفسه، كبار القادة العسكريين الادلاء بشهاداتهم في واشنطن حول فضيحة التعذيب. وتناقلت القنوات العربية والعالمية صورا لعدالة الاحتلال وهي تهيئ نفسها في بغداد لمحاكمة جندي أو ثلاثة جنود متهمة إياهم بسوء معاملة المعتقلين العراقيين، وبذلك حولت إدارة راسفيلد الأمر إلى استعراض بليد يهدف إلى التغطية على جرائمها ودر الرماد في العيون ومن ثم تجميل وجه أمريكا الكالح وديموقراطيتها بثمن بخس. ونسي جلادو الشعب العراقي أن هتك عرض شعب والاعتداء على شرف أبنائه وبناته، والاعتداء، من خلال ذلك، على عرض وشرف مليار مسلم بل والإنسانية كلها، يقتضي، حسب مبادئ وأحكام القانون الدولي، محاكمة الجنود والقادة الأمريكيين والمسؤولين الحقيقيين عن جرائم تعذيب واغتصاب المعتقلين بالعراق، وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش نفسه ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، ورفع الحصانة القانونية التي يتمتعان بها أمام المجتمع الدولي. وأما الشعب الأمريكي، الذي تهمه سمعته ومصداقية حكوماته ودساتيره وقوانينينه وديموقراطيته، فله أن يكون وفيا لمبادئه وقيمه الديموقراطية، بالسعي مع المجتمع الدولي إلى الأخذ بمقتضيات وروح القانون والديموقراطية لمعاقبة مجرميه المسؤولين عن احتلال شعب العراق، خاصة وأنهم بدؤوا يعترفون الواحد تلو الآخر بعد عام و40 يوما بكذب مبرراتهم لشن الحرب واحتلال بلد والعبث بسيادته وثرواته. من المضحكات في ما يجرى، أنه ما زالت إدارة الولايات المتحدة تصر على امتهان النفاق في تسويق نفسها على أنها العدالة والتراث المثالي في السمو بحقوق الإنسان والديمقراطية، فتسمي الهبوط بحقوق الإنسان التي هي غارقة فيه سموا بها، رغما عن فضائحها في العراق وغير العراق. ولقد تزامنت فضائح أبوغريب مع التوقيت الاعتيادي لصدور التقرير السنوي الذي تنجزه الخارجية الأمريكية وترصد فيه وضع حقوق الإنسان في العالم. إلا أنه وخجلا من نفسها، تعمدت الخارجية الأمريكية هذه المرة تأخير نشر تقريرها الخاص بما تسميه دعم حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم 12 يوما بعد انتكاسة سجن أبو غريب وسجون عراقية أخرى. والحقيقة أن الخارجية الأمريكية لم تنتظر ما يكفي حتى يجف ماء الخجل من وجهها، كي تتحدث في تقريرها الصادر الإثنين الماضي، والذي خصصت له 270 صفحة، عن العمل الذي أنجزته واشنطن في مجال حقوق الإنسان في العراق خلال عامي 2003 و2004! ولا أدري ما الذي أنجزته واشنطن لفائدة حقوق الإنسان في العراق، غير ما شاهده كل العالم وما زال يشاهده بأم عينيه. ويجرؤ التقرير في هذا الوقت بالذات على الكذب والمفاخرة بأن الولايات المتحدة تدافع عن حقوق الإنسان، وتمول مشروعات المعونة، وتدعم نشطاء حقوق الإنسان المحليين في أكثر من 100 دولة من الدول ذات السجلات الأسوأ في مجال حقوق الإنسان!!. على من يضحك أهل البيت الأبيض، وهم المسؤولون عن كل ما جرى وما يجري ضد حقوق شعب بكامله؟ يقيمون محكمة صورية غير علنية ببغداد، تقضي في شكل مسرحية هزلية بالسجن لمدة عام والتسريح من الخدمة للجندي الأمريكي جيريمي سيفيت. وينسي هؤلاء، الذين يمثلون أمامنا مسرحية السجن والسجان جاعلين منهم الحكم والخصم، أن إدارتهم متهمة بتهم لا تسعها الأرض ولا يمسحها أن يمسح عار سجن أبوغريب، إلا أن يمسحوا عار سجن كبير اسمه العراق الكبير، الذي حوصر لعقد من الزمن واستكمل حجمه بشن الحرب عليه واحتلاله بمبررات واهية وكاذبة. لن تكون هنا محاكمة ولن تسود ديموقراطية بدون محاكمة من حاصر شعب العراق لما يزيد عن عقد من الزمن، فلم يرحم صغيره ولا كبيره ولا شيخه ولا عجوزه ولا رضيعه ولا بهيمته، وجعله يفقد سمات المجتمع المتحضر، وخرب بنياته التحتية بكاملها، وتسبب في وفاة ما يفوق المليون ونصف المليون شخص معظمهم من الأطفال مع نهاية الحصار ( سنة 2000)، وقتل ما يفوق 11000 عراقيا في حرب الاحتلال. إنهم يقررون عن حقوق الإنسان في العالم ويتحدثون عن الديموقراطية والمحاكمات العادلة، وينسون، هم ورئيسهم بوش ووزير دفاعهم، كيف تفرج العالم على اختطف أبناء العرب والمسلمين من بلادهم بتهم غير ثابتة ليودعوا في أقفاص سجن خليج غوانتنامو ومعسكر أشعة إكس كالحيوانات، وليعذبوا بطرق سادية، ضدا على القوانين والمواثيق الدولية. عبدالرحمان الهرتازي
المصدر: التجديد نشر في التجديد

