لم يكن الشيخ الشهيد أحمد ياسين في واقع الحال مجرد مؤسس لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، كما يمكن أن يقال مثلاً عن تأسيس ياسر عرفات لحركة فتح أو جورج حبش للجبهة الشعبية، أو أحمد جبريل للقيادة العامة، لأن الشيخ لم يؤسس فصيلاً فلسطينياً مقاوماً فحسب، بل أسس لصحوة إسلامية شاملة في المجتمع الفلسطيني . وهنا يمكن القول بكل بساطة إن الشيخ لم يكن الأب الروحي والعملي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) فحسب، بل الرجل الذي أسس وصاغ الظاهرة الإسلامية في فلسطين .
لتوضيح ذلك لا بد من العودة عقوداً إلى الوراء حين بدأ الشيخ عمله الدعوي والاجتماعي، وتحديداً في أوائل الستينات، وكان في مطالع العشرينات من عمره. في تلك الأثناء كان التدين غريباً على المجتمع الفلسطيني ، ومحصوراً إلى حد كبير في العجائز والكهول، فيما كان المد الناصري المصطدم ببضاعة “الإخوان” هو السائد، واكتمل المشهد بصعود (فتح) بخطابها العلماني إلى حد ما، ومعه مد اليسار والثورية اليسارية بطبعاتها المختلفة التي أفرزت بعد ذلك عدداً من “الجبهات” التي تناسلت تباعاً. هنا، كان على الشيخ أن يبدأ من الصفر، ومن المسجد على وجه التحديد، وإلى جانبه بعض النشاطات الدعوية المرافقة، فيما كان يجد بعض المدد المالي من “إخوانه” الذين فروا من بطش “الناصرية” وتيسّرت أحوالهم في السعودية والخليج. لبنة إثر أخرى، شيّد الشيخ بنيانه، وفيما كانت تهم العمالة تلاحقه بسبب إحجامه عن الدخول في ساحة الفعل المسلح خلال النصف الثاني من السبعينات حين أصبح رقماً في المعادلة الاجتماعية والسياسية، كان الرجل ينتظر لحظته المناسبة، ليبدأ في عام 82 رحلة الإعداد التي كشفت في العام التالي، لتضعه في السجن بحكم لثلاثة عشر عاماً ومعه ثلة من إخوانه. في هذه اللحظة خرج الشيخ من فضاء غزة التي عرفته منذ سنوات إلى فضاء فلسطين ، بل إلى فضاء أوسع عربياً وإسلامياً، وذلك حين وقف بكرسيه المتحرك خلف قضبان المحكمة، فيما القاضي الإسرائيلي يوجه له تهمة تأسيس تنظيم يعمل على “تدمير دولة إسرائيل” . . هكذا بالنص. كان المشهد مثيراً، فقد تعود الناس على مثل هذه “الحالة الإنسانية الخاصة” على أبواب المساجد تتسول لقمة العيش، أو في ملاجئ العجزة، وفي أحسن الأحوال بين الجدران عندما يكون الأهل في حالة يسر مالي. أما أن يجلس على ذلك الكرسي المتحرك رجل يعمل على “تدمير دولة إسرائيل” فذلك أمر مختلف، فكيف حين يعاني من شلل كامل لا يحرّك معه إلا لسانه وقلبه؟! خرج الشيخ بعد عام ونصف من السجن في صفقة تبادل الأسرى مع الجبهة الشعبية (القيادة العامة) ليعاود العمل ويترقب الفرصة من جديد. وهي التي حانت نهاية العام 1987، فانطلقت (حماس) في حلتها الجديدة ، كفصيل مقاوم بعد عقدين من عملها كفصيل إسلامي تقليدي يعمل على بلورة الإسلام الشامل في حياة الناس، كما هو حال تنظيمات الإخوان المسلمين في الدول العربية والإسلامية. دخل الشيخ مرحلته الجديدة بعدة كاملة، عمادها جحافل من الشبان الذين تربوا على الإيمان وحب الجهاد. وفيما كانت أسئلة الدور الجهادي تلاحقهم، جاء تأسيس الحركة المجاهدة ليفجر طاقاتهم الكامنة، وليؤسس لمرحلة جديدة يفد إلى الحركة خلالها مدد هائل من الشبان الجدد. ما بين اعتقال المجموعة القيادية التي سبقت اعتقاله نهاية العام 88، ومنهم صلاح شحادة وعبدالعزيز الرنتيسي وإبراهيم اليازوري (مجموعة التأسيس)، وبين اعتقاله هو بعد ذلك بستة أشهر وحتى نهاية العام 1992 كانت معظم قيادات الصف الأول والثاني وجزء لا بأس به من الصف الثالث قد غدت رهن الاعتقال. وهنا مصدر الغرابة، فعلى رغم حدوث ذلك إلا أن القفزات الأهم في تاريخ الحركة قد جاءت بعد ذلك، وتحديداً بين أعوام 92 و97، حيث تطورت أدوات المقاومة المسلحة من إطلاق الرصاص في غزة وبعد ذلك في الضفة، وصولاً إلى مرحلة الاستشهاد التي دشنها الشهيد يحيى عياش وتركها أمانة مع من بعده من الرجال. خرج الشيخ من السجن وسلطة أوسلو فاعلة إلى حد ما في غزة والضفة، والعمل المسلح في حال تراجع، ليس بسبب اعتقال رموزه من طرف السلطة واستشهاد واعتقال آخرين فقط، وإنما تجنباً لمزيد من الصدام مع المعادلة الجديدة ، الأمر الذي استمر حتى انتفاضة الأقصى. في هذه المرحلة يمكن القول إن قيادة غزة وعلى رأسها الشيخ قد شكلت صوت (حماس) الإعلامي وذراعها السياسي، سيما بعد الغياب شبه الكامل لقيادة الضفة اعتقالاً واغتيالاً خلال العام الثاني. أما الفعل العسكري أو 80% منه فكان مركزاً في الضفة الغربية ، رغم أن جناح غزة كان أقوى، والسبب هو ضآلة الأهداف في القطاع وعدم إمكانية خروج المجاهدين من هناك بسبب السياج الأمني، من دون أن ننسى بالطبع تلك السلسلة من العمليات النوعية والمميزة التي نفذها مجاهدو القطاع، سيما من حماس والجهاد وكتائب الأقصى. ما يؤكده الاستعراض السابق هو أن تميز حضور الشيخ في معادلة (حماس) كان لافتاً للنظر، لكن التجربة تقول إن الرجل لم يكن مركزياً، بل كان صانعاً للقيادات ومميزاً في استقطاب الكبار. وقد لا يكون سراً القول إن حجم ما هو مجهول من رموز غزة القادرين على ملء أي فراغ لا زال أكبر مما هو معلوم. ولعل ذلك هو ما يميز غزة عن الضفة التي تكثر فيها الكوادر وتقل فيها القيادات “الكاريزمية”، ربما لعدم وجود قائد هناك بوزن الشيخ الذي بدا تواصله مع تلك البقعة محدوداً بسبب الحواجز الموضوعية القائمة. هذا من ناحية الفراغ القيادي الذي لم يشكل عائقاً أمام تقدم الحركة، حتى عندما كان الشيخ ومعظم القادة في الضفة وغزة في السجون، والذي يعود إلى قدرة الحركة على توليد القادة وملء الفراغ. ولا شك هنا أن قيادة الخارج قد لعبت دوراً كبيراً في ضبط الأوضاع ووصل ما انقطع هنا وهناك، مع أن ذلك لا يعني أن غياب الشيخ لن يكون مهماً، لكن الأمر يبدو مختلفاً حين نأتي إلى الجانب الآخر الذي يعجز شارون عن إدراكه، ممثلاً في الأبعاد المعنوية التي يخلقها استشهاد القادة العظماء في سبيل الفكرة التي عاشوا من أجلها، وهو أمر يحدث في مختلف الشعوب، لكنه في المعادلة الإسلامية الإيمانية أكثر حضوراً. هنا يمكن القول إن بركات استشهاد الشيخ كانت كبيرة، فقد نال هو ما تمنى، وحصل على أجمل خاتمة بعد رحلة جهاد طويلة. أما (حماس) فستحصد باستشهاده دفعة معنوية وشعبية مميزة، هي ذاتها ما تحصل عليه الحركات ذات الجذور الفكرية والاجتماعية والسياسية الراسخة من استشهاد قادتها ورموزها في سبيل أهدافهم ومبادئهم. أما الجانب الثالث فيتمثل في تكريس الثقافة التي دشنها الشيخ، وهي ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد، ليس في وعي الشارع الفلسطيني فحسب، وإنما في وعي الأمة العربية والإسلامية. فباستشهاده غدا الشيخ رمزاً تاريخياً في وعي أمة هي الآن أحوج ما تكون إلى ثقافة التحدي والمقاومة. ياسر الزعاترة – كاتب فلسطيني
المصدر: التجديد نشر في التجديد

