إصرار الزعيم الشيعي في العراق آية الله علي السيستاني على ضرورة تنظيم انتخابات قبل نقل السلطة يعقد بشكل واضح الخطط الأمريكية في العراق، فموقف الزعيم الروحي للجماعة الشيعية التي تشكل قرابة ال 60% من الشعب العراقي ليس جديدا، إذ تم التعبير عنه في شهر يونيو الماضي عندما بدأ الرئيس الأمريكي جورج بوش يتحدث عن مخططه للانسحاب من العراق قبل تنظيم الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية .
لقد أخذ الصوت الشيعي في العراق يتسع بشكل أكبر، فهناك مظاهرات يومية تؤيد دعوة السيستاني لإقامة انتخابات ديمقراطية، وعندما وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام المأزق اكتشفت أخيرا الحاجة إلى منظمة الأمم المتحدة لتسوية المعضلة الشيعية. قبل ذلك كان الأمريكيون يظنون أن الأغلبية الشيعية تؤيدهم في سياستهم، وأنهم يعترفون للولايات المتحدة بالجميل كونها حررتهم من وصاية الأقلية السنية التي خرج منها الديكتاتور السابق صدام حسين، ولذلك لم يقدر الأمريكيون القوة التي يتمتع بها هذا الزعيم الشيعي وسط الفئات الشيعية، والذي كان بالنسبة لجماعته الحاجز الوحيد طيلة فترة حكم الدكتاتورية، ويطمح حاليا في التحكم في الانتقال السياسي بالعراق. إن الولايات المتحدة الأمريكية تتوقع أن يتشكل المجلس الوطني الانتقالي الذي سيكون المصدر للشرعية في العراق بعد تاريخ 30 يونيو القادم من وجهاء يتم اختيارهم بواسطة لجنة معينة من طرف مجلس الحكم الانتقالي الحالي ومجالس الأقاليم والولايات ، لكن الاتفاق الموقع في 15 نوفمبر 2003 (بين مجلس الحكم والحاكم الأمريكي في العراق) ليس فيه أي إشارة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة ، بمعنى آخر تريد قوات الاحتلال أن تتحكم في تشكيل المؤسسات والهيآت المستقبلية في العراق لكي يستمر تأثيرها فيه. غير أن الدعوة إلى تنظيم انتخابات فورية هي بشكل من الأشكال بالنسبة للشيعة طريقة لتذكير الأمريكيين بأنهم يمثلون الأغلبية، وبأن الوعود بالديمقراطية هي ضمانة ضمنية لهم بأنهم سيحكمون البلد قريبا. لكن علي السيستاني لا يقلل من صعوبة تنظيم انتخابات خلال أشهر، وليس مؤكدا إن كان يريد ذلك أم لا، فهناك تخوف لدى الشيعة كما لدى السنة من أن يفوز التيار المتطرف في الانتخابات إذا تم تنظيمها قبل الأوان. بين الأمريكيين والشيعة هناك اليوم نوع من المساومة التي يطلب من الأمم المتحدة أن تكون الضامن لها، وفي هذه المرحلة الانتقالية يلتقي علي السيستاني وجورج بوش في نفس الهدف: تحقيق الاستقرار في العراق، ومن أجل ذلك ينبغي تجريد المقاتلين السنة من أسلحتهم وبالتالي إعطاء الأقلية قسما من السلطة، وينبغي الانتصار على أولئك الذين جاؤوا من أماكن مختلفة إلى العراق للجهاد بهدف تحويله أفغانستان أخرى، ومثلهم مثل الأمريكيين، لا يريد الشيعة أن يبقى هؤلاء داخل العراق. ولكن يبدو أن الوقت قد تأخر الآن، ذلك أن العملية التي أودت بمقتل 24 شخصا يوم الأحد الماضي في العاصمة بغداد لن تشجع منظمة الأمم المتحدة على العودة إلى العراق، حتى لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تطلب ذلك من أجل تلبية المطالب الشيعية. لوفيغارو الفرنسية-2004-01-20 ترجمة:إدريس الكنبوري
المصدر: التجديد نشر في التجديد

